{ لِلْمَلاَئِكَةِ } هم جند من خلق الله . ركز الله فيهم العقل والفهم ، وفطرهم على الطاعة ، وأقدرهم على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة ، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة ، منها أنهم : { يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ والنَهَارَ لاَ يَفتَرُونَ }{[15]} و { لاَ يَعصَونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ }{[16]}
ومنها : أنهم رسل الله أرسلهم بأمره ، ومنهم رسل الوحي إلى من اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة ، قال تعالى : { جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً }{[17]} ، وقال تعالى : { اللهُ يَصطَفِي منَ المَلاَئِكةِ رُسُلاً ومِنَ النَّاسِ }{[18]} ، { يُنَزِّلُ المَلاَئِكةَ بالرُّوحِ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاء من عبَلدِه }{[19]}
جمع ملك ، والتاء لتأنيث الجمع ، واصله ملاك ، من ملك ، نحو شمال من شمل ، والهمزة زائدة ، وهو مقلوب مألك ، ثم سهلوه فقالوا : ملك . وقيل : إن ملأك من لأك إذا أرشل ، ومنه : الألوكة ، أي الرسالة .
{ خَلِيفَةً } هو من يخلف غيره و ينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، والتاء فيه للمبالغة . والمراد يه آدم عليه السلام ، لأنه كان خليفة الله في الأرض . وكذلك سائر الأنبياء ، استخلفهم الله تعالى في عمارة الأرض وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وإجراء أحكامه عليهم ، وتنفيذ أوامره فيهم . وقيل : آدم وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض ، واستغنى بذكره عن ذكره ذريته لكونه الأصل .
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } الفساد : الخروج عن الاعتدال والاستقامة ، ويضاده الصلاح . يقال : فسد الشئ فسادا وفسودا ، وأفسده غيره . وقد عزف الملائكة وقوع ذلك من الإنسان بإخبار من الله تعالى أو إلهام ، ولم يقص علينا فيما حكى الله عنهم للإيجاز على عادة القرآن . والاستفهام : استكشاف عن الحكمة الخفية في هذا الاستخلاف ، مع ما سيترتب عليه من الإفساد وسفك الدماء .
{ وَيَسْفِكُ الدِّمَاء } السفك : الصب و الإهراق ، يقال : سفكت الدم والدمع سفكا – من باب ضرب- صببته ، والفاعل سافك وسفاك . والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بني الإنسان ظلما وعدوانا .
{ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ننزهك عما يليق بعظمتك ، تنزيها متلبسا بحمدك والثناء عليك . من التسبيح ، وهو تنزيه الله من السوء على وجه التعظيم ، وهو مشتق من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء .
{ وَنُقَدِّسُ لَكَ } نطهر ذكرك عما لا يليق بك ، تعظيما لك وتمجيدا . من التقديس بمعنى التطهير ، ومنه : الأرض المقدسة ، وروح القدس . واسمه تعالى القدوس ، أي الطاهر . واللام في " لك " زائدة لتأكيد التخصيص .
قوله تعالى : { وإذ قال ربك } . أي وقال ربك ، " وإذ " زائدة ، وقيل معناه واذكر إذ قال ربك وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله . " وإذ " حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر قال المبرد : إذا جاء إذ مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله تعالى " وإذ يمكر " يريد وإذ مكر ، وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله : ( فإذا جاءت الطامة إذا جاء نصر الله ) أي يجيء .
قوله تعالى : { للملائكة } . جمع ملك وأصله مالك من المألكة والألوكة والألوك ، وهي : الرسالة فقلبت فقيل ملأك ثم حذفت الهمزة طلباً للخفة لكثرة استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل ملك . وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا دهراً طويلاً في الأرض ، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة يقال لهم : الجن ، وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجنة ، رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علماً فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة فأعطى الله إبليس ملك الأرض ، وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه : ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله له ولجنده .
قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } . أي بدلاً منكم ورافعكم أي ، فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة والمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم . وقيل لأنه يخلفه غيره ، والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه .
قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } . بالمعاصي .
قوله تعالى : { ويسفك الدماء } . بغير حق ، أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب .
قوله تعالى : { ونحن نسبح بحمدك } . قال الحسن نقول : سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق وصلاة البهائم وغيرهما سوى الآدميين ، وبها يرزقون .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد بن عيسى ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا زهير بن حرب ، أنا جينان بن هلال ، أنا وهيب ، أنا سعيد الجريري ، عن أبي عبد الله الجسري ، عن ابن الصامت ، عن أبي ذر أن رسول صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ فقال : " ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده : سبحان الله وبحمده " وقيل : ونحن نصلي بأمرك ، قال ابن عباس : كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة .
قوله تعالى : { ونقدس لك } . أي نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك . وقيل : نطهر أنفسنا لطاعتك وقيل : وننزهك . " واللام " صلة وقيل : لم يكن هذا في الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل ، بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه .
قوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } . من المصلحة فيه ، وقيل : إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء . وقيل : إني أعلم أن فيكم من يعصيني ، وهو إبليس ، وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم . قرأ أهل الحجاز والبصرة إني أعلم بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة وعند غير الألف وبين القراء اختلاف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.