قوله جل ذكره : { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } .
لمَّا استعجلوا وقالوا : متى تقوم هذه القيامةُ التي يَتوعَّدنا بها ؟ قال الله تعالى : إنَّ علمَ القيامة ينفرد به الحقُّ فلا يعلم غيره ، فكما لا يعلم أحدٌ ما الذي يخرج من الأشجار من الثمار ، وما الذي تنطوي عليه أرحامُ النساءِ من أولادها ذكوراً وإناثاً ، وما هم عليه من أوصاف الخِلْقة ، ويحصل من الحيوانات من نتاجها - فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله - فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تقوم القيامة .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئي } : يتبرؤون من شركائهم ، ولكن في وقت لا تنفعهم كثرةُ نَدَمِهم وبكائهم .
أكمامها : جمع كِمّ بكسر الكاف ، برعوم الثمرة ووعاؤها ، وكذلك الكُم بضم الكاف : وعاء الثمر والزهر .
ما منا من شهيد : ليس منا من يشهد لك شركاء .
بعد تلك الجولة مع المشركين ، وما ينتظرهم يوم القيامة حسب أعمالهم وسوء عقائدهم ، يبيّن الله تعالى هنا أن لا سبيل إلى معرفة يوم القيامة وتحديد موعده ، فذاك لا يعلمه إلا هو ، وأن علم الحوادث المقبلة في أوقاتها عند الله ، فلا يعلم أحد متى تخرجُ الثمر من أكمامها ، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع . ثم ذكر سبحانه أنه يوم القيامة ينادي المشركين تقريعاً لهم فيقول لهم : { أَيْنَ شُرَكَآئِي } الذين كنتم تعبدونهم من دوني ؟ فيكون جوابهم : { آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } إننا نُعلمك يا الله أنه ليس منا الآن من يشهد أن لك شركاء .
قرأ نافع وحفص وابن عامر من ثمرات بالجمع . والباقون : من ثمرة بالإفراد .
{ 47-48 } { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ }
هذا إخبار عن سعة علمه تعالى واختصاصه بالعلم الذي لا يطلع عليه سواه فقال : { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي : جميع الخلق ترد علمهم إلى الله تعالى ، ويقرون بالعجز عنه ، الرسل ، والملائكة ، وغيرهم .
{ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } أي : وعائها الذي تخرج منه ، وهذا شامل لثمرات جميع الأشجار التي في البلدان والبراري ، فلا تخرج ثمرة شجرة من الأشجار ، إلا وهو يعلمها علما تفصيليًا .
{ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم ، من أنواع الحيوانات ، إلا بعلمه { وَلَا تَضَعُ } أنثى حملها { إِلَّا بِعِلْمِهِ } فكيف سوَّى المشركون به تعالى ، من لا علم عنده ولا سمع ولا بصر ؟ .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي : المشركين به يوم القيامة توبيخًا وإظهارًا لكذبهم ، فيقول لهم : { أَيْنَ شُرَكَائِيَ } الذين زعمتم أنهم شركائي ، فعبدتموهم ، وجادلتم على ذلك ، وعاديتم الرسل لأجلهم ؟ { قَالُوا } مقرين ببطلان إلهيتهم ، وشركتهم مع الله : { آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } أي : أعلمناك يا ربنا ، واشهد علينا أنه ما منا أحد يشهد بصحة إلهيتهم وشركتهم ، فكلنا الآن قد رجعنا إلى بطلان عبادتها ، وتبرأنا منها ، ولهذا قال : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ }
{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ( 47 ) }
إلى الله تعالى وحده لا شريك له يُرْجَع علم الساعة ، فإنه لا يعلم أحد متى قيامها غيره ، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها ، وما تحمل مِن أنثى ولا تضع حَمْلها إلا بعلم من الله ، لا يخفى عليه شيء من ذلك . ويوم ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة توبيخًا لهم وإظهارًا لكذبهم : أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتي ؟ قالوا : أعلمناك الآن ما منا من أحد يشهد اليوم أن معك شريكًا .
قوله عز وجل :{ إليه يرد علم الساعة } أي : عملها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره ، { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } قرأ أهل المدينة والشام وحفص : { ثمرات } على الجمع ، وقرأ الآخرون { ثمرة } على التوحيد ، { من أكمامها } أوعيتها ، واحدها : كم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الكفرى قبل أن تنشق . { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } إلا بإذنه ، يقول : يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج . { ويوم يناديهم } ينادي الله المشركين ، { أين شركائي } الذين كنتم تزعمون أنها آلهة ، { قالوا } يعني المشركين ، { آذناك } أعلمناك ، { ما منا من شهيد } أي : من شاهد بأن لك شريكاً لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام .
قوله : { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي لا يعلم الساعة أحد سوى الله ؛ فهو سبحانه قد استأثر بالعلم بها فلا يجليها لوقتها إلا هو سبحانه .
قوله : { وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } الأكمام ، جمع كم وهو وعاء الثمرة أو وعاء الطلع{[4072]} والمعنى : ما تخرج ثمرة من أوعيتها { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } كل ذلك علمه عند الله ، ولا يقع شيء مما ذكر إلا بعلمه سبحانه فإنه لا يخفى عليه شيء .
قوله : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي } يوم القيامة ، يوم الفزع الأكبر ، والإياس الرعيب ، ينادي الله الظالمين الذين اتخذوا من دونه شركاء وأندادا : أين شركائي الذين عبدتموهم معي ، يناديهم بذلك على رؤوس الخلائق ، فيجيبون مستبئسين مذعورين { قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } { مَا } نافية . يعني : أعلمناك ما منا من أحد يشهد أن لك شريكا .