قوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
{ اسْتَجَابُواْ لِرَبْهِمْ } فيما دعاهم إليه وما أَمَرَهم به من فنون الطاعات ؛ فهؤلاء هم الذين لهم حُسْنُ الثوابِ وحميدُ المآبِ .
والمستجيبُ لربِّه هو الذي لا يبقى له نَفَسٌ إلا على موافقة رضاه ، ولا تَبْقَى منه لنَفْسِه بقية .
{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } : لا يستبَّد أحدُهم برأيه ؛ لأنه يَتَّهِمُ أمرَه ورأيَه أبداً ثم إذا أراد القطعَ بشيءٍ يتوكل على الله .
استجابوا لربهم : أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة .
وأمرهم شورى بينهم : شأنهم التشاور ومراجعة الآراء في أمورهم .
38- { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } .
والذين استجابوا لأمر الله تعالى ودخلوا في دين الإسلام .
{ وأقاموا الصلاة . . . } وحافظوا على إقامة الصلاة في أوقاتها ، وخص الصلاة بالذكر لأنها أعظم أركان الإسلام ، وهي صلة بين العبد وربه ، وهي عماد الدين ، من أقامها كان حريا أن يقيم أمور الدين ، ومن هدمها كان حريا أن يهدم الدين .
{ وأمرهم شورى بينهم . . . } أي : هم ملتزمون بالشورى في الأمور العامة كالحرب وشئون الدولة ، والشئون الخاصة كنظام الأسرة وما يتصل بشئون الجماعات والأفراد ، وقد حث القرآن على الشورى ومدحها ، وسمى هذه السورة المكية باسم ( الشورى ) كما ذكر الشورى في سورة ( آل عمران ) وهي سورة مدنية .
قال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } . ( آل عمران : 159 ) .
وأخرج عبد بن حميد ، والبخاري في الأدب المفرد ، وابن المنذر ، عن الحسن قال : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ، ثم تلا : { وأمرهم شورى بينهم . . . }
ولقد كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشورة لأصحابه ، فقد استشارهم عند الخروج لغزوة بدر ولغزوة أحد ، وفي غزوة الأحزاب عمل بمشورة الأنصار ، وتراجع عن إعطاء هوازن ثلث ثمار المدينة عندما قالت الأنصار : لا نعطيهم إلا السيف ، وكان الخلفاء الراشدون يحرصون على الشورى خصوصا ما لا نص فيه ، مثل كتابة المصحف ، وحروب الردة ، وعدم توزيع أرض السواد بالعراق على الفاتحين ، وتضمين العمال إذا أتلفوا ما بأيديهم لشدة حاجة الناس إليهم ، وكتابة الحديث النبوي الشريف في عهد خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز ، وغير ذلك .
أي : ينفقون مما أعطاهم الله من المال أو العلم أو الجاه ، بإخراج الزكاة أو الصدقة أو الإحسان إلى خلق الله .
ومن صفات هؤلاء المؤمنين أيضا أنهم يُجيبون ربّهم إلى ما دعاهم إليه ، ويقيمون الصلاة في أوقاتها على أكمل وجوهها .
{ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ }
وهذا دستور عظيم في الإسلام ، فهو يوجب أن يكون الحكْم مبنياً على التشاور . وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه الكرام في كثير من الأمور ، وكان الصحابة الكرام يتشاورون فيما بينهم . ومثلُ ذلك قوله تعالى { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } [ آل عمران : 159 ] . قال الحسن البصري : « ما تشاور قوم إلا هُدوا لأرشدِ أمرهم » . وقال ابن العربي : « الشورى ألفة للجماعة ، وصِقال للعقول ، وسببٌ إلى الصواب ، وما تشاور قوم قط إلا هدوا » . ومن صفات هؤلاء المؤمنين البذلُ والعطاء بسخاء { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } .
{ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } أي : انقادوا لطاعته ، ولبَّوْا دعوته ، وصار قصدهم رضوانه ، وغايتهم الفوز بقربه .
ومن الاستجابة للّه ، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فلذلك عطفهما على ذلك ، من باب عطف العام على الخاص ، الدال على شرفه وفضله فقال : { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } أي : ظاهرها وباطنها ، فرضها ونفلها . { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } من النفقات الواجبة ، كالزكاة والنفقة على الأقارب ونحوهم ، والمستحبة ، كالصدقات على عموم الخلق .
{ وَأَمْرُهُمْ } الديني والدنيوي { شُورَى بَيْنَهُمْ } أي : لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم ، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم ، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها ، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها ، حتى إذا تبينت لهم المصلحة ، انتهزوها وبادروها ، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد ، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء ، أو غيره ، وكالبحث في المسائل الدينية عموما ، فإنها من الأمور المشتركة ، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله ، وهو داخل في هذه الآية .
{ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) }
والذين استجابوا لربهم حين دعاهم إلى توحيده وطاعته ، وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها ، وإذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه ، ومما أعطيناهم من الأموال يتصدقون في سبيل الله ، ويؤدون ما فرض الله عليهم من الحقوق لأهلها من زكاة ونفقة وغير ذلك من وجوه الإنفاق .
قوله : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } المؤمنون يستجيبون لله فيبادرون بالطاعة وفعل الصالحات . وفي مقدمة ذلك أن يقيموا الصلاة { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } وهذه واحدة من خصال المؤمنين الصادقين الطائعين ؛ فإنهم يتشاورون فيما بينهم في سائر أمورهم سواء في أحوال السلم أو في أحوال الحرب . فديدن المؤمنين الصادقين الأوفياء أنهم يتشاورون في سائر أمورهم ليخلُصوا إلى القول السديد ، أو الرأي السليم النافع بعيدا عن ظواهر الطغيان في الرأي والاستبداد به والاستئثار .
قوله : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أي يبذلون مما أعطاهم الله من أموال في وجوه الخير فيتصدّقون به على الفقراء والعالة والمحاويج . وهذه واحدة من خصال المؤمنين المتقين الذين يَسْتَعْلُون على الأثرة والشح وعلى الضن بالمال على الضعفاء ؛ إنهم أسخياء كرماء يبذلون أموالهم في سبيل الخير على اختلاف وجوهه ومناحيه ، وهم في ذلك لا يبتغون من الناس ثناءهم وشكرهم ، وإنما يبتغون به مرضاة الله وحده والفوز بالسعادة والنجاة في الآخرة .