ثلة من الأولين : جماعة كثيرة من سابقي هذه الأمة .
وثلة من الآخرين : وجماعة كثيرة من متأخريها .
39 ، 40- { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ } .
أي : أصحاب اليمين جماعة كبيرة من الأمم السابقة ، وجماعة كبيرة من المتأخرين ، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل : المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : جماعة من الأولين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجماعة من الآخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
أخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم جميعا من أمتي " .
وقوله تعالى : { ثُلَّةٌ مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الاخرين } خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلة ، أو خبر ثان لهم المقدر مبتدأ مع { فِى سِدْرٍ } [ الواقعة : 28 ] أو { لأصحاب اليمين } في قوله تعالى : { وأصحاب اليمين مَا أصحاب اليمين } [ الواقعة : 17 ] أو مبتدأ خبره محذوف أي منهم ، أو مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله احتمالات اعترض الأخير منها بأن المعنى عليه غير ظاهر ولا طلاوة فيه ، وجعل اللام بمعنى من كما في قوله
: ونحن لكم يوم القيامة أفضل *** لا يخفى حاله والأولون والآخرون المتقدمون والمتأخرون إما من الأمم وهذه الأمة ، أو من هذه الأمة فقط على ما سمعت فيما تقدم ، هذا ولم يقل سبحانه في حق أصحاب اليمين جزاءاً بما كانوا يعملون كما قاله عز وجل في حق السابقين رمزاً إلى أن الفضل في حقهم متمحض كأن عملهم لقصوره من عمل السابقين لم يعتبر اعتباره . ثم الظاهر أن ما ذكر من حال أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ينافي أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها ومات غير تائب عنها ثم يدخل الجنة ، ولا يمكن أن يقال : إن المؤمن العاصي من أصحاب الشمال لأن صريح أوصافهم الآتية يقتضي أنهم كانوا كافرين ويلزم من جعل هذا قسما على حدة كون القسمة غير مستوفاة فليتأمل ، والله تعالى أعلم .
وقوله : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين } خبر لمبتدأ محذوف . أى : أصحاب اليمين جماعة كبيرة منهم من الأمم الماضية ، وجماعة كبيرة أخرى من هذه الأمة الإسلامية .
وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ذرك لنا ألوانا من النعم التى أنعم بها على أصحاب اليمين . كما ذكر قبل ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين .
قال الآلوسى : ولم يقل - سبحانه - فى حق أصحاب اليمين : { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } كما قال - سبحانه - ذلك فى حق السابقين ، رمزا إلى أن الفضل فى حقهم متمحض ، كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين ، لم يعتبر اعتباره .
ثم الظاهر أن ما ذكر من أصحاب اليمين ، هو حالهم الذى ينتهون إليه فلا ينافى أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها ، ومات غير تائب عنها ، ثم يدخل الجنة .
قوله : { ثلة من الأولين 39 وثلة من الأخرين } أي جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين . وروي عن ابن عباس في قوله : { ثلة من الأولين 39 وثلة من الأخرين } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هما جميعا من أمتي " .
على أنه قال قبل هذا : { وقليل من الأخرين } ثم قال هنا : { وثلة من الأخرين } لأن ذاك في السابقين وهذا في أصحاب اليمين وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا{[4441]} .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم أخبر عنهم، فقال: {ثلة من الأولين} يعني جمع من الأولين، يعني الأمم الخالية...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: الذين لهم هذه الكرامة التي وصف صفتها في هذه الآيات ثُلّتان، وهي جماعتان وأمتان وفرقتان:"ثُلّةٌ مِنَ الأوّلِينَ"، يعني جماعة من الذين مضوا قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، "وَثُلّةٌ مِنَ الآخِرِينَ"، يقول: وجماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
واختلف الناس في قوله: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين}؛
فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره، الأولون: سالف الأمم، منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون: هم هذه الأمة، منهم جماعة عظيمة أهل يمين.
قال القاضي أبو محمد: بل جميعهم إلا من كان من السابقين.
وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان في أمة محمد، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الثلثان من أمتي»، فعلى هذا التابعون بإحسان ومن جرى مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان.
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :
...وتأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين بخلاف السابقين فإنهم قليل في الآخرين وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها لفضيلة السلف الصالح وأما أصحاب اليمين فكثير في أولها وآخرها.