ومن آيتي الليل والنهار فى الأرض ، وحياتهم الآمنة المكفولة في ظل هذا النظام الكوني الدقيق يعبر بهم في ومضة إلى يوم النفخ في الصور ، وما فيه من فزع يشمل السماوات والأرض ومن فيهن من الخلائق إلا من شاء الله . وما فيه من تسيير للجبال الرواسي التي كانت علامة الاستقرار ؛ وما ينتهي إليه هذا اليوم من ثواب بالأمن والخير ، ومن عقاب بالفزع والكب في النار :
( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ؛ وكل أتوه داخرين . وترى الجبال تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب ، صنع الله الذي أتقن كل شيء ، إنه خبير بما تفعلون . من جاء بالحسنة فله خير منها ، وهم من فزع يومئذ آمنون . ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار . هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) . .
والصور البوق ينفخ فيه . وهذه هي نفخة الفزع الذي يشمل كل من في السماوات ومن في الأرض - إلا من شاء الله أن يأمن ويستقر . . قيل هم الشهداء . . وفيها يصعق كل حي في السماوات والأرض إلا من شاء الله .
ثم تكون نفخة البعث . ثم نفخة الحشر . وفي هذه يحشر الجميع ( وكل أتوه داخرين )أذلاء مستسلمين .
{ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ( 87 ) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون( 88 ) } .
87- { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين } .
واذكر يوم ينفخ إسرافيل في البوق أو القرن : فيقوم الناس من قبورهم فزعين خائفين ، قال تعالى : { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون } [ يس : 52 ] .
وقد استثنى الله بعض مخلوقاته من هذا الفزع ، قيل : الرسل والشهداء ، وقيل أيضا : رؤساء الملائكة ، مثل : جبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل ، وجميع الناس جاءت للبعث والحساب صاغرين أذلاء من هول الموقف وشدة الكرب ، قال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم*يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } [ الحج : 1 ، 2 ] .
ذكر القرآن الكريم النفخ في الصور على أنه من مشاهد القيامة ، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح ، وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث ، منها حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم ، عند عبد الله بن عمرو ، وتكلم عن ذلك أبو السعود ، والقرطبي وغيرهما .
وقد ذكر ابن كثير أن النفخ في الصور ثلاث مرات :
الثانية : نفخة الصعق وهو الموت .
الثالثة : نفخة البعث وقيام الناس لرب العالمين .
ورجح غيره من المفسرين أن النفخ في الصور سوف يكون مرتين :
الأولى : تموت عندها الخلائق ، ويمكن أن تشتمل على الفزع والصعق والموت .
الثانية : نفخة البعث التي يقوم الناس عندها لرب العالمين .
قال تعالى : { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } [ يس : 51 ] .
وقال تعالى : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } [ الروم : 25 ] .
وقد اختلف العلماء فيما جاء بهذه الآية رقم 87 من سورة النمل ، أهي النفخة الأولى أم النفخة الثانية ؟ فمنهم من رجح أنها النفخة الثانية ، التي يكون بعدها الجزاء والحساب ، واستشهد بآخر الآية حيث يقول الله تعالى : { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين } .
ورجح العلامة الطيبي وغيره من المفسرين أن الآية تشير إلى النفخة الأولى ، والمراد بالفزع : الخوف الذي ينتهي إلى الموت لغاية شدة الهول .
قال تعالى في الآية 68 من سورة الزمر ، { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون }
قال العلامة الطيبي ؛ فالآية 87 من سورة النمل تشير إلى النفخة الأولى ، وقوله تعالى : { وكل أتوه داخرين } إشارة إلى النفخة الثانية .
والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل ، والصحيح -أيضا- في النفخ في الصور أنهما نفختان وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق ، لأن الأمرين لا زمان لهما . . والمراد هنا-النفخة الثانية- أي : يحيون فزعين يقولون : من بعثنا من مرقدنا ؟ ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم . أ . ه .
وأرجع أن المراد في الآية النفخة الأولى .
واذكر أيها المشاهد يوم ينفخ إسرافيل في الصور ، فيفزع سكان السماوات وسكان الأرض ، إلا من حفظه الله من الفزع ، ويعقب ذلك موت الناس وصعقهم أربعين سنة ، ثم ينفخ إسرافيل مرة أخرى فيقوم الناس لرب العالمين ويحشرون جميعا أذلاء صاغرين ، { وكل أتوه داخرين } .
يخوف تعالى عباده ما أمامهم من يوم القيامة وما فيه من المحن والكروب ، ومزعجات القلوب فقال : { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ } بسبب النفخ فيه { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } أي : انزعجوا وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفا مما هو مقدمة له . { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع . { وَكُلٌّ } من الخلق عند النفخ في الصور { أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } صاغرين ذليلين ، كما قال تعالى : { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } ففي ذلك اليوم يتساوى الرؤساء والمرءوسون في الذل والخضوع لمالك الملك .
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ( 87 ) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ( 88 ) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .
ذلك إخبار مذهل عن أحداث القيامة وما فيها من أهوال وبلايا . وبين يدي ذلك كله نفخة الفزع المروع الأكبر . الذي ترتجف بفظاعته القلوب وتوجل من شدته الخلائق في السماوات والأرض ، وهو قوله : { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ } يوم ، منصوب بفعل مقدر ، وتقديره : اذكر يوم ينفح في الصور{[3466]} ، و { الصُّورِ } ، هو القرن على هيئة البوق وهو من نور ينفخ فيه إسرافيل بأمر من الله .
وهذه هي نفحة الفزع الأكبر . وذلك في آخر أيام الدنيا حتى تقوم الساعة . والصور ينفخ فيها ثلاث نفخات ، هي نفخة الفزع ، ونفخة الصعق أي الموت ، ثم نفخة البعث والقيام لرب العالمين . وقيل : هما نفختان اثنتان ، لا ثلاث نفخات . وهما نفخة الصعق ثم نفخة البعث ؛ ليجتمع الخلق في أرض الجزاء وهو يوم النشور .
ويندرج في هذه ، نفخة الفزع . أي يحيون فزعين مذعورين ؛ لهول ما يجدونه أمامهم من شدائد . وقيل : تندرج في نفخة الصعق . أي فزعوا فزعا رعيبا ماتوا بسببه .
قوله : { إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ } اختلفوا في تعيين المستثنين . فقيل : المراد بهم الشهداء والأنبياء . وقيل : الملائكة . وقيل : المؤمنون جميعا .
قوله : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } { دَاخِرِينَ } ، منصوب على الحال . وهو جمع داخر ، أي الصاغر الذليل . دخر الشخص دخورا ، أي ذل وهان{[3467]} وهذا وصف لحال العباد وهم يقومون مذعورين وجلين أذلة ، إذ يساقون إلى المحشر . وحينئذ تغشى البشرية من غواشي الخوف والفزع ما لا تتصوره العقول إلا بالمعاينة والنظر . ونسأل الله النجاة والسلامة .