من نطفة : من ماء يقطر وهو المنيّ . وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة .
أمشاج : أخلاط ، جمع مشج ( بفتحتين ) ، كسبب وأسباب ، يقال : مشجت الشيء ، إذا خلطته ، أي : من اختلاط ماء الرجل وماء المرأة وامتزاجهما .
نبتليه : نختبره بالتكليف ، أي : مريدين اختباره عند التكليف والتأهّل .
سميعا بصيرا : ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات .
2- إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا .
لقد خلقنا الإنسان من ماء مهين هو المني الذي ينطف من صلب الرجل ، ويختلط بماء المرأة فيتم تلقيح البويضة ، ويتكون منهما هذا المخلوق العجيب وهو الإنسان .
أمشاج . أي : أخلاط ، وهو ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ، أو يشير إلى اختلاط الصفات الوراثية في الرجل بالصفات الوراثية في المرأة ، ومع الصفات المتعددة لكل منهما يخلق الله بشرا سويا يحمل خصائص وراثية ، لها خريطة بديعة ، صنع الله الذي أتقن كل شيء .
وقال ابن عباس : أمشاج . أي : أطوار مختلفة ، فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة ، وهكذا إلى تمام الخلق ونفخ الروح .
نبتليه . نجعله صالحا للاختبار والابتلاء والتكليف فيما بعد .
أعطيناه السمع ليسمع أدلة الحق والهدى ، والبصر ليميز النور من الظلام ، والنافع من الضار ، والإيمان من الكفر .
ويطلق السمع والبصر ويراد بهما أدلة التعقّل والتمييز والاختيار .
وقد يراد بهما الحاسّتان المعروفتان ، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها .
أمشاج : أخلاط واحدها مشج ومشيج .
ثم أتبعه بذِكر العناصر الداخلة في تكوين الإنسان فقال :
{ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } .
خلقنا هذا الإنسان من نطفة فيها أعدادٌ لا تحصى من الحُويّنات التي لا تُرى بالعين المجردة ، وهذه النطفة تختلط ببيضةِ المرأة ، وباتحادِهما يتكون الجنين ، وهاتان النطفتان مخلوقتان من عناصر مختلفة ، وتلك العناصرُ آتيةٌ من النبات والحيوان الداخلَين في طعام الآباء والأمهات ، ومن الماء الذي يشربونه . . فهي أخلاط ، كُونت ومزجت وصارت دماً ، فنطفةً ، فعلقة الخ . . . . .
وقد خلقنا هذا الإنسان لِنبتليَه بالتكاليف فيما بعدُ ، ثم أعطيناه السمع والبصر ليتمكن من استماع الآياتِ ومشاهدة الدلائل ، ويعقِل ويفكر .
ثم لما أراد الله تعالى خلقه ، خلق [ أباه ] آدم من طين ، ثم جعل نسله متسلسلا { مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } أي : ماء مهين مستقذر { نَبْتَلِيهِ } بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه ؟
فأنشأه الله ، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة ، كالسمع والبصر ، وسائر الأعضاء ، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده .
{ إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) }
إنا خلقنا الإنسان من نطفة مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة ، نختبره بالتكاليف الشرعية فيما بعد ، فجعلناه من أجل ذلك ذا سمع وذا بصر ؛ ليسمع الآيات ، ويرى الدلائل ،
{ إنا خلقنا الإنسان } يعني ولد آدم ، { من نطفة } يعني : مني الرجل ومني المرأة . { أمشاج } أخلاط ، واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين . قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والربيع : يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد ، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له ، وما كان من عصب وعظم فهو من نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة . وقال الضحاك : أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة ، فنطفة الرجل بيضاء وحمراء وصفراء ، ونطفة المرأة خضراء وحمراء وصفراء ، وهي رواية الوالي عن ابن عباس . وكذلك قال الكلبي : قال : { الأمشاج } البياض في الحمرة والصفرة . وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج . وقال ابن مسعود : هي العروق التي تكون في النطفة . وقال الحسن : نطفة مشجت بدم ، وهو دم الحيضة ، فإذا حبلت ارتفع الحيض . وقال قتادة : هي أطوار الخلق نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظماً ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر . { نبتليه } نختبره بالأمر والنهي ، { فجعلناه سميعاً بصيرا } قال بعض أهل العربية : فيه تقديم وتأخير ، مجازه : فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه ، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة .
{ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } والمراد بالإِنسان هنا - أيضا - جنسه وجميع أفراده .
و " أمشاج " بمعنى أخلاط من عناصر شتى ، مشتق من المشج بمعنى الخلط ، يقال : مشجي فلان بين كذا وكذا - من باب ضرب - إذا خلط ومزج بينهما ، وهو جمع مشَج - كسب ، أو مَشِج - ككتف ، أو مشيج - كنصير .
قال الجمل : " أمشاج " نعت لنطفة . ووقع الجمع صفة لمفرد ، لأنه فى معنى الجمع ، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة ، فاعتبر ذلك فوصف بالجمع . .
ويرى صاحب الكشاف أن لفظ " أمشاج " مفرد جاء على صيغة أفعال ، كلفظ أعشار فى قولهم : برمة أعشار ، أى : برمة متكسرة قطعا قطعا ، وعليه يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله .
فقال قال - رحمه الله - : { مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } كبرمة أعشار . . وهى ألفاظ مفردة غير جموع .
والذلك وقعت صفات للأفراد ، والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان . .
وجملة " نبتليه " حال من الإِنسان ، أنو من فاعل " خلقنا " .
أى : إنا خلقنا الإِنسان بقدرتنا وحدها . " من نطفة " أى : من مَنِىٍّ ، وهو ماء الرجل وماء المرأة ، " أمشاج " أى : ممتزج أحدهما بالآخر امتزاجا تاما .
أو خلقنا من نطفة مختلطة بعناصر متعددة ، تتكون منها حياة الإِنسان بقدرتنا وحمكتنا .
وهلقناه كلذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف ، فى مستقبل حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف .
{ فَجَعَلْنَاهُ } بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف مزودات بوسائل الإِدراك ، التى بواسطتها بسمع الحق ويبصره ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا . . إدراكا سليما ، متى اتبع فطرته ، وخالف وساوس الشيطان وخطواته .
وخص - سبحانه - السمع والبصر بالذكر ، لأنهما أنفع الحواس للإِنسان ، إن عن طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات ، وعن طريق البصر ينظر فى الأدلة المتنوعة الكثيرة التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق أنبيائه فيما جاءوا به من عند ربهم .