فقالوا : هذا منا ليس بدعاء ، وإنما ذلك قول الله تعالى : { قالوا كذلك قال ربك } ثم دفعوا استبعادها بقولهم : { إنه هو الحكيم العليم } .
وقد ذكرنا تفسيرهما مرارا ، فإن قيل لم قال هاهنا { الحكيم العليم } وقال في هود : { حميد مجيد } نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم : { أتعجبين من أمر الله } ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله ، وذكروهم بنعمته بقولهم : { حميد } فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة ، وقولهم : { مجيد } إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه ، وهاهنا لما لم يقولوا : { أتعجبين } إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه ، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول ، وكذلك الحكيم هو الذي فعله ، كما ينبغي لعلمه قاصدا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقا للمقصود اتفاقا ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لا يقال له حكيم ، وأما إذا فعل فعلا قاصدا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها ، يقال له حكيم فيه ، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجده ، وإن لم يفعل فعلا وهو قاصد لعلمه ، وإن لم يفعل على وفق القاصد .
( قالوا : كذلك قال ربك ، إنه هو الحكيم العليم ) . .
وكل شيء يكون إذا قيل له : كن . وقد قال الله . فماذا بعد قوله ? إن الألفة والعادة تقيدان الإدراك البشري ، وتحدان من تصوراته . فيدهش إذ يرى ما يخالف المألوف له ؛ ويعجب كيف يكون ؛ وقد يتبجح فينكر أن يكون ! والمشيئة المطلقة ماضية في طريقها لا تتقيد بمألوف البشر الصغير المحدود ؛ تبدع ما تشاء ، بغير ما حدود أو قيود !
30- { قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم } .
استكثرت الزوجة أن تلد في هذه السن الكبيرة ، وكانت قد تجاوزت ثمانين عاما ، ولم تكن تلد في صباها وشبابها ، وقالت : أنا عجوز طاعنة في السن ، وعقيم لم ألد في شبابي ، فكيف ألد في هذه السن ؟ فكأنها قالت : ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة ، ظنا منها أن ذلك صدر منهم كما يصدر من الضيف من الدعوات الطيبات ، كما يقول الداعي : أعطاك الله مالا ، ورزقك ولدا .
فردوا عليها بأن هذا ليس دعاء ، ولا خبرا عن أنفسهم ، بل هو أمر الله الذي بيده الخلق والأمر ، وليس هناك من أمر عجيب على قدرته ، فقد خلق آدم من تراب ، وخلق حواء من آدم ، وهو سبحانه الذي رفع السماء بلا عمد ، وبسط الأرض على الماء فجمد ، وقسم الأرزاق فلم ينس أحدا ، وهو سبحانه إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب ، ثم قال له كن فيكون ، وهو سبحانه قادر على كل شيء ، وهو على كل شيء قدير .
قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } . ( يس : 82 ، 83 ) .
{ قَالُواْ كَذَلِكِ } أي مثل ذلك القول الكريم الذي أخبرنا به { قَالَ رَبُّكِ } وإنما نحن معبرون نخبرك به عنه عز وجل لا أنا نقوله من تلقاء أنفسنا ، وروي أن جبريل عليه السلام قال لها : انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة { إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم } فيكون قوله عز وجل حقاً وفعله سبحانه متقناً لا محالة ، وهذه المفاوضة لم تكن مع سارة فقط بل كانت مع إبراهيم أيضاً حسبما تقدم في سورة الحجر ، وإنما لم يذكر ههنا اكتفاءاً بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هناك سارة اكتفاءاً بما ذكر ههنا وفي سورة هود .
{ قالوا كذلك قال ربك } : أي قالت الملائكة لها كالذي قلنا لك قال ربك .
{ إنه هو الحكيم العليم } : أي انه هو الحكيم في تدبيره وتصريفه شؤون عباده . العليم بما يصلح للعبد وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه .
فأجابها الملائكة قائلين هكذا قال ربك فاقبلي البشرى واحمديه واشكريه . إنه تعالى هو الحكيم في تصرفاته في شؤون عباده العليم بما يصلح لهم وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه ولا يعترض عليه .