{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } الضمير لمن اتبع أو للغاوين ورجح الثاني بالقرب وظهور ملاءمته للضمير ، والأول بأن اعتباره ادخل في الزجر عن اتباعه مع أن الثاني جيء به لبيانه و { أَجْمَعِينَ } توكيد للضمير ، وجوز أن يكون حالاً منه ويجعل على هذا الموعد مصدراً ميمياً ليتحقق شرط مجيء الحال من المضاف إليه وهو كون المضاف مما يعمل عمل الفعل فإنهم اشترطوا ذلك أو كون المضاف جزء المضاف إليه أو كجزئه على ما ذكره ابن مالك وغيره ليتحد عامل الحال وصاحبها حقيقة أو حكماً لكن يقدر حينئذ مضاف قبله لأن جهنم ليست عين الموعد بل محله فيقدر محل وعدهم أو مكانه ، وليس بتأويل اسم المفعول كما وهم ، وجوز أن يكون الموعد اسم مكان ، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير المضاف إلا أن في جواز الحالية بحثاً لأن اسم المكان لا يعمل عمل فعله كما حقق في النحو ، وكون العامل معنى الإضافة وهو الاختصاص على القول بأنه الجار للمضاف إليه غير مقبول عند المحققين لأن ذلك من المعاني التي لا تنصب الحال ، ولا يخفى ما في جعل جهنم موعداً لهم من التهكم والاستعارة فكأنهم كانوا على ميعاد ، وفيه أيضاً إشارة إلى أن ما أعد لهم فيها مما لا يوصف في الفضاعة .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 43 ] { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } عدد الحواس الخمس والقوتين الشهوية والغضبية وهاتان القوتان بابان عظيمان للضلالة المفضية إلى النار . أخرج ابن جرير عن يزيد بن قسيط قال : كانت للأنبياء عليهم السلام مساجد خارجة من قراهم فإذا أراد أحدهم أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله تعالى ثم سأل ما بدا له فبينما نبي في مسجده إذ جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة فقال النبي : أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ثلاثاً فقال إبليس : أخبرني بأي شيء تنجو مني ؟ قال النبي : بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم فأجد كل واحد منهما على صاحبه فقال النبي : إن الله تعالى يقول : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] قال إبليس : قد سمعت هذا قبل أن تولد قال النبي : ويقول الله تعالى : { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله } [ الأعراف : 200 ] وإني والله تعالى ما أحسست بك قط إلا اسعذت بالله تعالى منك قال إبليس : صدقت بهذا تنجو مني فقال النبي : أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم قال : آخذه عند الغضب وعند الهوى
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإن جهنم لموعدهم أجمعين}، يعني: كفار الجن والإنس، وإبليس وذريته.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لإبليس: وإن جهنم لموعد من تبعك أجمعين.
"لها سَبْعَةُ أبوابٍ" يقول: لجهنم سبعة أطباق، لكلَ طَبَق منهم: يعني من أتباع إبليس جزء، يعني: قسما ونصيبا مقسوما. وذُكر أن أبواب جهنم طبقات بعضها فوق بعض.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{لها سبعة أبواب} تحتمل الأبواب المعروفة، وتحتمل الأبواب الموارد والجهات التي تكون لها.
ألا ترى أنه قال: {لكل باب منهم جزء مقسوم}؟ فهذا يدل أن المراد بالأبواب الموارد والدَّركات لا نفس الأبواب؛ إذ {جزء مقسوم} إنما يكون للدَّركات، لا يكون للأبواب نفسها...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
اجتمعوا اليومَ في أصل الضلالة، ثم الكفر مِلَلٌ مختلفةٌ، ثم يجتمعون غداً في العقوبة وهم زُمَرٌ مختلفون، لكلِّ دَرَكَةٍ من دركات جهنم قوم مُخَصُّون.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{وإن جهنم لموعدهم} أي موضع اجتماعهم، والموعد يتعلق بزمان ومكان، وقد يذكر المكان ولا يحد زمان الموعد، و {أجمعين} تأكيد وفيه معنى الحال...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
" منهم جزء مقسوم "أي حظ معلوم..
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ} أي موعدُ المتبعين أو الغاوين، والأولُ أنسبُ وأدخلُ في الزجر عن إتباعه، وفيه دلالةٌ على أن جهنم مكانُ الوعد وأن الموعودَ مما لا يوصف في الفظاعة...
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
...ولا يخفى ما في جعل جهنم موعداً لهم من التهكم والاستعارة، فكأنهم كانوا على ميعاد..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ضمير « مَوعدهم» عائد إلى {من اتبعك}، والموعد مكان الوعد. وأطلق هنا على المصير إلى الله استعير الموعد لمكان اللقاء تشبيهاً له بالمكان المعين بين الناس للقاء معين وهو الوعد. ووجه الشبه تحقّق المجيء بجامع الحرص عليه شأن المواعيد... وفي ذلك تَمليح بهم لأنهم ينكرون البعث والجزاء، فجُعلوا بمنزلة من عيّن ذلك المكان للإتيان. وجملة {لها سبعة أبواب} مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها لإعداد الناس بحيث لا تضيق عن دخولهم.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وقد أكد سبحانه دخولهم جهنم ب (إن) المؤكدة والجملة الاسمية، و (اللام) في قوله تعالى: {لموعدهم أجمعين}، وبالتأكيد اللفظي في قوله تعالى: {أجمعين}. وقد قلنا: إنه يفهم من القول وإشاراته البيانية أن عدد العصاة أكثر، وعدد الأبرار أقل؛ لأن الأبرار هم صفوة الإنسانية، والصفوة من كل شيء أقله وليس أكثره.
ولأن المصير لهؤلاء هو جهنم؛ فعلى العبد الذكي أن يستحضر هذا الجزاء وقت الاختيار للفعل كي لا يرتكب حماقة الفعل الذي يزينه له الشيطان، أو تلح عليه به نفسه. ولو أن المسرف على نفسه استحضر العقوبة لحظة ارتكاب المعصية لما أقدم عليها، ولكن المسرف على نفسه لا يقرن المعصية بالعقوبة؛ لأنه يفصل النتائج عن المقدمات. ولذلك أقول دائماً: هب أن إنساناً قد استولت عليه شراسة الغريزة الجنسية، وعرف عنه الناس ذلك، وأعدوا له ما يشاء من رغبات، وأحضروا له أجمل النساء؛ وسهلوا له المكان المناسب للمعصية بما فيه من طعام وشراب. وقالوا: هذا كله لك، شرط أن تعرف أيضاً ماذا ينتظرك. وأضاءوا له من بعد ذلك قبواً في المنزل؛ به فرن مشتعل. ويقولون له: بعد أن تفرغ من لذتك ستدخل في هذا الفرن المشتعل. ماذا سيصنع هذا الإنسان؟. لابد أنه سيرفض الإقدام على المعصية التي تقودهم إلى الجحيم. وهكذا نعلم أن من يرتكب المعاصي إنما يستبطئ العقوبة...
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.