الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا} (62)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه يوشع "آتِنا غَدَاءَنا "يقول: جئنا بغدائنا وأعطناه...

" لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا" يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبا، وقال ذلك موسى، فيما ذُكر، بعد ما جاوز الصخرة، حين ألقي عليه الجوع ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فلما جاوزا} يعني مكانه قال لفتاه: {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} فيه دلالة أن لا بأس للرجل إذا أصابته مشقة وجهد أن يذكر أصابني كذا، وللمريض (أن) يقول: بي من المرض كذا، ولا يخرج ذلك مُخرج الشكوى والجزع من الله حين قال موسى عليه السلام: {ولقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} تعبا وجهدا...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

كان موسى في هذا السَّفرِ مُتَحَمِّلاً، فقد كان سَفَر تأديبٍ واحتمالٍ مَشقّةٍ، لأنه ذهب لاستكثار العلم. وحالُ طلبِ العلم حالُ تأديبٍ ووقتُ تَحمُّلٍ للمشقة، ولهذا لَحِقَهُ الجوعُ، فقال: {لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً}...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مِن سَفَرِنَا هذا} إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت: كيف نسي يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها لكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة المأكول منها -وقيل: ما كانت إلاّ شق سمكة- وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى عليه السلام الحوت؟ قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه السلام من العجائب، واستأنس بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فلما جاوزا} أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزةً أخرى، فلما جاع وتعب {قال لفتاه ءاتنا} أي أحضر لنا {غداءنا} أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى: {لقد لقينا من سفرنا} أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: {هذا نصباً} وكان الحوت زادهم فلم يكن معه...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

أي: جاوزا في سيرهما مجمع البحرين ومكان الموعد، قال موسى عليه السلام لفتاه: أحضر لنا الغداء فقد تعبنا من السفر، والنصب: هو التعب.

فمعنى ذلك أنهما سارا حتى مجمع البحرين، ثم استراحا، فلما جاوزا هذا المكان بدا عليهما الإرهاق والتعب؛ لذلك طلب موسى الطعام. وهنا تذكر الفتى ما كان من نسيان الحوت.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا} (62)

قوله تعالى : " فلما جاوزا " يعني الحوت هناك منسياً - أي متروكاً - فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه عند المخاطبة ، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين . وهو الصخرة ، فقد كان موسى شريكا في النسيان لأن النسيان التأخير ، من ذلك قولهم في الدعاء : أنسأ الله في أجلك . فلما مضيا من الصخرة أخرا حوتهما عن حمله فلم يحمله واحد منهما ، فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت .

قوله تعالى : " آتنا غداءنا " فيه مسألة واحدة ، وهو اتخاذ الزاد في الأسفار ، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار{[10616]} ، الذين يقتحمون المهامه والقفار ، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار ، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه ، وتوكله على رب العباد . وفي صحيح البخاري ( إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى " وتزودوا " ) وقد مضى هذا في " البقرة " {[10617]} . واختلف في زاد موسى ، فقال ابن عباس : كان حوتا مملوحا في زنبيل ، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء ، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر ، وضع فتاه{[10618]} المكتل ، فأصاب الحوت جريَ البحر فتحرك الحوت في المكتل ، فقلب المكتل وانسرب الحوت ، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى . وقيل : إنما كان الحوت دليلا على موضع الخضر لقوله في الحديث : ( احمل معك حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثم ) على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير الحوت ، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس واختاره . وقال ابن عطية : قال أبي رضي الله عنه ، سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه : مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم . وقوله : " نصبا " أي تعبا ، والنصب التعب والمشقة . وقيل : عنى به هنا الجوع ، وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط .


[10616]:الأغمار جمع غمر. (بالضم): وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور.
[10617]:راجع جـ 2 ص 411 فما بعد.
[10618]:في ك: صاحبه.