التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ} (153)

موقع هذه الجملة استئناف تَعداد وتكرير كما تقدم في قوله : { كذبت عاد المرسلين } [ الشعراء : 123 ] . d والكلام على هذه الآيات مثلُ الكلام على نظيرها في قصة قوم نوح ، وثمود قد كذّبوا المرسلين لأنهم كذبوا صالحاً وكذبوا هوداً لأن صالحاً وعظهم بعاد في قوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } في سورة الأعراف ( 74 ) وبتكذيبهم كذبوا بنوح أيضاً ، لأن هوداً ذَكَّر قومه بمصير قوم نوح في آية { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [ الأعراف : 69 ] .

وتقدم ذكر ثمود وصالح عند قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحاً } في سورة الأعراف ( 73 ) ، وكان صالح معروفاً بالأمانة لأنه لا يرسل رسول إلا وهو معروف بالفضائل { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } [ الأنعام : 124 ] وقد دل على هذا المعنى قولهم { إنما أنت من المسحَّرين } [ الشعراء : 153 ] المقتضي تغيير حاله عما كان عليه وهو ما حكاه الله عن قومه { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا } في سورة هود ( 62 ) . وحذف ياء المتكلم من { أطيعون } هو مثل نظائره المتقدمة آنفاً .

أجابوا موعظته بالبهتان فزعموه فقد رُشده وتغير حاله واختلقوا أن ذلك من أثر سِحر شديد . فالمسحَّر : اسم مفعول سَحَّره إذا سَحَره سحراً متمكناً منه ، و { من المسحَّرين } أبلغ في الاتصاف بالتسحير من أن يقال : إنما أنت مسحَّر كما تقدم في قوله : { لتكونَنَّ من المرجومين } [ الشعراء : 116 ] .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ} (153)

ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية ، فلا تصغي لها ولا تلين :

( قالوا : إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ) . .

إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهم يهرفون بما لا يعرفون ! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ} (153)

" قالوا إنما أنت من المسحرين " هو من السحر في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي . أي أصبت بالسحر فبطل عقلك ؛ لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا . وقيل : من المعللين بالطعام والشراب . قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي . وهو على هذا القول من السحر وهو الرئة أي بشر لك سحر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما قال لبيد{[12226]} :

فإن تسألينا فيم نحن فإنَّنَا *** عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ

وقال امرؤ القيس :

ونُسْحَرُ بالطعام وبالشراب{[12227]}


[12226]:في نسخ الأصل: امرؤ القيس، والتصويب من ديوان لبيد.
[12227]:صدر البيت: *أرانا موضعين لأمر غيب* موضعين: مسرعين. وأمر غيب: يريد الموت وأنه قد غيب منا وقته ونحن نلهي عنه بالطعام والشراب.