التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (137)

جملة : { إن هذا إلا خلق الأولين } تعليل لمضمون جملة : { سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين } ، أي كان سواءً علينا فلا نتَّبع وعظَك لأن هذا خلق الأولين . والإشارة ب { هذا } إلى شيء معلوم للفريقين حاصل في مقام دعوة هود إياهم ، وسيأتي بيانه .

وقوله : { خلق الأولين } قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة وعاصم وخلَف بضم الخاء وضم اللام . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر ويعقوبُ بفتح الخاء وسكون اللام .

فعلى قراءة الفريق الأول { خُلُقُ } بضمتين ، فهو السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر وقد فُسّر بالقوى النفسية ، وهو تفسير قاصر فيشمل طبائع الخير وطبائع الشر ، ولذلك لا يُعرَف أحدُ النوعين من اللفظ إلا بقيد يضم إليه فيقال : خُلُق حسَن ، ويقال في ضده : سوء خُلُق ، أو خُلُق ذميم ، قال تعالى : { وإنك لعلى خُلُق عظيم } [ القلم : 4 ] . وفي الحديث : " وخَالِقِ الناسَ بخُلُق حسن " .

فإذا أطلق عن التقييد انصرف إلى الخُلُق الحسن ، كما قال الحريري في « المقامة التاسعة » « وخُلُقي نعم العَون ، وبيني وبينَ جاراتي بَوْن » أي في حسن الخلق .

والخلق في اصطلاح الحكماء : ملكة ( أي كيفية راسخة في النفس أي متمكنة من الفكر ) تصدر بها عن النفس أفعال صاحبها بدون تأمل .

فخلق المرء مجموع غرائز ( أي طبائع نفسية ) مؤتلفة من انطباع فكري : إما جبليّ في أصل خلقته ، وإما كسبي ناشىء عن تمرّن الفكر عليه وتقلُّده إياه لاستحسانه إياه عن تجربة نفعه أو عن تقليد ما يشاهده من بواعث محبة ما شاهد . وينبغي أن يسمى اختياراً من قول أو عمل لذاته ، أو لكونه مِن سيرة من يُحبه ويقتدي به ويسمى تقليداً ، ومحاولته تسمى تخلقاً . قال سالم بن وابصة :

عليك بالقصيد فيما أنتَ فاعله *** إن التخلُّق يأتي دونَه الخُلُق

فإذا استقر وتمكن من النفس صار سجية له يجري أعماله على ما تمليه عليه وتأمره به نفسه بحيث لا يستطيع ترك العمل بمقتضاها ، ولو رام حملَ نفسه على عدم العمل بما تمليه سجيته لاستصغر نفسه وإرادته وحقر رأيه . وقد يتغير الخلق تغييراً تدريجياً بسبب تجربة انجرار مضرة من داعيه ، أو بسبب خوف عاقبة سيئة من جرّائه بتحذيرِ مَن هو قدوة عنده لاعتقاد نصحه أو لخوف عقابه . وأول ذلك هو المواعظ الدينية .

ومعنى الآية على هذا يجوز أن يكون المحكيُّ عنهم أرادوا مدحاً لما هم عليه من الأحوال التي أصروا على عدم تغييرها فيكون أرادوا أنها خُلُق أسلافهم وأسوتهم فلا يقبلوا فيه عذلاً ولا ملاماً ، كما قال تعالى عن أمثالهم { تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا } [ إبراهيم : 10 ] . فالإشارة تنصرف إلى ما هم عليه الذي نهاهم عنه رسولُهم .

ويجوز أن يكونوا أرادوا ما يَدعو إليه رسولهم : أي ما هو إلا من خلُق أناس قبله ، أي من عقائدهم وما راضوا عليه أنفسهم وأنه عبر عليها وانتحلها ، أي ما هو بإذن من الله تعالى كما قال مشركو قريش { إنْ هذا إلا أساطير الأولين } [ الأنعام : 25 ] والإشارة إلى ما يدعوهم إليه .

وأما على قراءة الفريق الثاني فالخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو الإنشاء والتكوين ، والخلق أيضاً مصدر خلق ، إذا كذب في خبره ، ومنه قوله تعالى : { وتخلُقون إفكاً } [ العنكبوت : 17 ] . وتقول العرب : حدثنا فلان بأحاديث الخَلْق وهي الخرافات المفتعلة ، ويقال له : اختلاق بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والاختراع ، قال تعالى : { إن هذا إلاّ اختلاق } [ ص : 7 ] وذلك أن الكاذب يخلُق خبراً لم يقع .

فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن الله كذب وما تخبرنا من البعث اختلاق ، فالإشارة إلى ما جاء به صالح .

ويجوز أن يكون المعنى أنَّ حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت ، فالكلام على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءَه في قوله : { إني أخاف عليكم عَذابَ يوم عظيم } [ الشعراء : 135 ] يقولون : كما مات الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث . وهذا كقول المشركين { ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } [ الجاثية : 25 ] فالإشارة في قوله : { إن هذا إلا خلق الأولين } إلى الخَلق الذي هم عليه كما دل عليه المستنثى . فهذه أربعة معان واحد منها مدح ، واثنان ذم ، وواحد ادعاء .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (137)

( إن هذا إلا خلق الأولين . . وما نحن بمعذبين ) . .

فحجتهم فيما هم عليه ، وفيما يستنكره عليهم هود ، أنه خلق الأولين ونهجهم . وهم يسيرون على نهج الأولين !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (137)

" إن هذا إلا خلق الأولين " أي دينهم ، عن ابن عباس وغيره . وقال الفراء : عادة الأولين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : " خلق الأولين " . الباقون " خلق " . قال الهروي : وقوله عز وجل : " إن هذا إلا خلق الأولين " أي اختلاقهم وكذبهم ، ومن قرأ : " خلق الأولين " فمعناه عادتهم ، والعرب تقول : حدثنا فلان بأحاديث الخلق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة . وقال ابن الأعرابي : الخلق الدين والخلق الطبع والخلق المروءة . قال النحاس : " خلق الأولين " عند الفراء يعني عادة الأولين . وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال : " خلق الأولين " مذهبهم وما جرى عليه أمرهم ، قال أبو جعفر : والقولان متقاربان ، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ) أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله عز وجل ، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا ، ولا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر . قال أبو جعفر : حكي لنا عن محمد بن يزيد أن معنى " خلق الأولين " تكذيبهم وتخرصهم ، غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى ، لأن فيها مدح آبائهم ، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم ، وقولهم : " إنا وجدنا آباءنا على أمة " [ الزخرف : 23 ] . وعن أبي قلابة : أنه قرأ : خلق " بضم الخاء وإسكان اللام تخفيف " خلق " . ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع . وقد قيل : إن معنى " خلق الأولين " دين الأولين . ومنه قوله تعالى : " فليغيرن خلق الله " [ النساء : 119 ] أي دين الله . و " خلق الأولين " عادة الأولين : حياة ثم موت ولا بعث . وقيل : ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم .

وقيل : المعنى خلق أجسام الأولين ، أي ما خلقنا إلا كخلق الأولين الذين خلقوا قبلنا وماتوا ، ولم ينزل بهم شيء مما تحذرنا به من العذاب .