{ أم } لإِضراب الانتقال إلى متعجَّب منه وإنكارٍ عليه آخَر وهو جهله بما عليه أن يعلمه الذين يخشون الله تعالى من عِلم ما جاء على ألسنة الرسل الأولين فإن كان هو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهلاّ تطلب ما أخبرت به رسل من قبلُ ، طالما ذكَر هو وقومه أسماءهم وشرائعهم في الجملة ، وطالما سأل هو وقومه أهل الكتاب عن أخبار موسى ، فهلاّ سأل عمّا جاء عنهم في هذا الغرض الذي يسعى إليه وهو طلب النجاة من عذاب الله فينبئه العالمون ، فإن مآثر شريعة إبراهيم مأثور بعضها عند العرب ، وشريعة موسى معلومة عند اليهود . فالاستفهام المقدر بعد { أم } إنكار مثل الاستفهام المذكور قبلها في قوله : { أعنده علم الغيب } والتقدير : بل ألم ينبأ بما في صحف موسى الخ .
و { صحف موسى } : هي التوراة ، وصحف { إبراهيم } : صحفٌ سُجِّل فيها ما أوحَى الله إليه ، وهي المذكورة في سورة الأعلى ( 18 ، 19 ) { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } روى ابن حبّان والحاكم عن أبي ذر أنه سأل النبي عن الكتب التي أنزلت على الأنبياء فذكر له منها عشرة صحائف أنزلت على إبراهيم ، أي أنزل عليه ما هو مكتوب فيها .
وإنما خص هذه الصحف بالذكر لأن العرب يعرفون إبراهيم وشريعته ويسمونها الحنيفية وربما ادّعى بعضهم أنه على إثارة منها مثل : زيد بن عَمرو بن نُفيل .
وأما صحف موسى فهي مشتهرة عند أهل الكتاب ، والعربُ يخالطون اليهود في خيبر وقريظة والنضير وتَيما ، ويخالطون نصارى نجران ، وقد قال الله تعالى : { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثلَ ما أُوتي موسى } [ القصص : 48 ] .
وتقديم { صحف موسى } لأنها اشتهرت بسعة ما فيها من الهدى والشريعة ، وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة . وقدّرت بعشر صحف ، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم ، تسَع الورقة قُرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث يكون مجموع ملفي صحف إبراهيم مقدار أربعين أية .
وإنما قدم في سورة الأعلى صحف إبراهيم على صحف موسى مراعاةً لوقوعهما بَدلاً من الصحف الأولى فقدم في الذكر أقدمهما .
وعندي أن تأخير ذكر صحف إبراهيم ليقع ما بعدها هنا جامعاً لما احتوت عليه صحف إبراهيم فتكون صحف إبراهيم هي الكلمات التي ابتلَى الله بها إبراهيم المذكورةُ في قوله في سورة البقرة { 124 } : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن أي بلغهن إلى قومه ومن آمن به ، ويكون قوله هنا الذي وفى } في معنى قوله : { فأتمهن } في سورة البقرة { 124 } .
قوله تعالى : " أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم " أي صحف " وإبراهيم الذي وفى " كما في سورة " الأعلى{[14415]} " " صحف إبراهيم وموسى " [ الأعلى : 19 ] أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى ، كما قال " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر ؛ لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة{[14416]} أخيه وابنه وأبيه ، قاله الهذيل بن شرحبيل . وقرأ سعيد بن جبير وقتادة " وفَى " خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله ، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة " وفّى " بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا . وقد مضى في " البقرة{[14417]} " عند قوله تعالى : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " [ البقرة : 124 ] والتوفية الإتمام . وقال أبو بكر الوراق : قام بشرط ما ادعى ، وذلك أن الله تعالى قال له : " أسلم قال أسلمت لرب العالمين{[14418]} " [ البقرة : 131 ] فطالبه الله بصحة دعواه ، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده{[14419]} وافيا بذلك ، فذلك قوله : " وإبراهيم الذي وفى " أي ادعى الإسلام ثم صحح دعواه . وقيل : وفّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار ، رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ( ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم " الذي وفى " لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون{[14420]} " [ الروم : 17 ] ) الآية . ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : " وفى " أي وفى ما أرسل به ، وهو قوله : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " قال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة ، فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده ، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى " وفى " : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه . وهذا أحسن ؛ لأنه عام . وكذا قال مجاهد : " وفى " بما فرض عليه . وقال أبو مالك الغفاري قوله تعالى : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " إلى قوله : " فبأي آلاء ربك تتمارى " [ النجم : 55 ] في صحف إبراهيم وموسى ، وقد مضى في آخر " الأنعام{[14421]} " القول في " ولا تزر وازرة وزر أخرى " [ الأنعام : 164 ] مستوفى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.