التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} (38)

وقوله : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } يجوز أن يكون بدلاً من ما في صحف موسى وإبراهيم بدلَ مفصَّل من مجمل ، فتكون { أنْ } مخففة من الثقيلة . والتقدير : أم لم ينبَّأ بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى .

ويجوز أن تكون { أَن } تفسيرية فَسَّرت ما في صحف موسى وإبراهيم لأن ما من الصحف شيء مكتوب والكتابة فيها معنى القَول دون حروفه فصلَح « ما في صحف موسى » لأن تفسره { أنْ }التفسيرية . وقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى : { هذا نذير من النذر الأولى } [ النجم : 56 ] في هذه السورة عن السدّي عن أبي صالح قال : هذه الحروف التي ذَكر الله تعالى من قوله : { أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم } إلى قوله : { هذا نذير من النذر الأولى } [ النجم : 56 ] كل هذه في صحف إبراهيم وموسى . و { تزر } مضارع وزر ، إذا فَعَل وِزرا .

وتأنيث { وازرة } بتأويل : نفس ، وكذلك تأنيث { أخرى } ، ووقوع « نفس » و { أخرى } في سياق النفي يفيد العموم فيشمل نفي ما زعمه الوليد بن المغيرة من تحمل الرجل عنه عذاب الله .

وهذا مما كان في صحف إبراهيم ، ومنه ما حكى الله في قوله : { ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء : 87 89 ] .

وحكي في التوراة عن إبراهيم أنه قال في شأن قوم لوط : « أفتُهلك البارَّ مع الآثم » .

وأما نظيره في صحف موسى ففي التوراة{[399]} « لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل » . وحكى الله عن موسى قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } [ الأعراف : 155 ] . وعموم لفظ { وزر } يقتضي اطراد الحكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة .

وأما قوله في التوراة{[400]} أن الله قال : « أفتقد الأبناء بذنوب الآباء إلى الجيل الثالث » فذلك في ترتيب المسببات على الأسباب الدنيوية وهو تحذير .

وليس حَملُ المتسبب في وزر غيره حَمْلاً زائداً على وِزره من قبيل تحمُّل وزر الغير ، ولكنه من قبيل زيادة العقاب لأجل تضليل الغير ، قال تعالى : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } [ النحل : 25 ] . وفي الحديث : " ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوللِ كِفل من دمها ، ذلك أنه أول مَن سنَّ القتل " .


[399]:- سفر التثنية اصحاح 24.
[400]:- سفر الخروج اصحاح 20.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} (38)

فماذا في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى ? فيها :

( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) . .

فلا تحمل نفس حمل أخرى ؛ لا تخفيفا عن نفس ولا تثقيلا على أخرى . فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها . ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئا !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} (38)

قوله تعالى : " أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم " أي صحف " وإبراهيم الذي وفى " كما في سورة " الأعلى{[14415]} " " صحف إبراهيم وموسى " [ الأعلى : 19 ] أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى ، كما قال " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر ؛ لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة{[14416]} أخيه وابنه وأبيه ، قاله الهذيل بن شرحبيل . وقرأ سعيد بن جبير وقتادة " وفَى " خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله ، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة " وفّى " بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا . وقد مضى في " البقرة{[14417]} " عند قوله تعالى : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " [ البقرة : 124 ] والتوفية الإتمام . وقال أبو بكر الوراق : قام بشرط ما ادعى ، وذلك أن الله تعالى قال له : " أسلم قال أسلمت لرب العالمين{[14418]} " [ البقرة : 131 ] فطالبه الله بصحة دعواه ، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده{[14419]} وافيا بذلك ، فذلك قوله : " وإبراهيم الذي وفى " أي ادعى الإسلام ثم صحح دعواه . وقيل : وفّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار ، رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ( ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم " الذي وفى " لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون{[14420]} " [ الروم : 17 ] ) الآية . ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : " وفى " أي وفى ما أرسل به ، وهو قوله : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " قال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة ، فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده ، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى " وفى " : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه . وهذا أحسن ؛ لأنه عام . وكذا قال مجاهد : " وفى " بما فرض عليه . وقال أبو مالك الغفاري قوله تعالى : " أن لا تزر وازرة وزر أخرى " إلى قوله : " فبأي آلاء ربك تتمارى " [ النجم : 55 ] في صحف إبراهيم وموسى ، وقد مضى في آخر " الأنعام{[14421]} " القول في " ولا تزر وازرة وزر أخرى " [ الأنعام : 164 ] مستوفى .


[14415]:راجع جـ 20 ص 13.
[14416]:في ل: "بجريمة".
[14417]:راجع جـ 23 ص 98 وص 134.
[14418]:راجع جـ 23 ص 98 وص 134.
[14419]:في ز، ل: "فوجد وافيا".
[14420]:راجع جـ 14 ص 14.
[14421]:راجع جـ 7 ص 157 وص 215.