قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن مَعْمَر ، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال : إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين ، فيقولون : رَوِّحُوا أخاكم ، فإنه كان في غَمّ الدنيا . قال : ويسألونه : وما فعل فلان{[30428]} ؟ فيقول : مات ، أو ما جاءكم ؟ فيقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية{[30429]}
وقد رواه ابن مَرْدَويّه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا ، بأبسط من هذا . وقد أوردناه في كتاب صفة النار ، أجارنا{[30430]} الله منها بمنه وكرمه{[30431]} .
{ وما أدراك ما هيه } : تهويل كما تقدم آنفاً .
وضمير { هِيه } عائد إلى { هاوية } ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام ، إذ معاد الضمير وصف هالكة ، والمرادُ منه اسم جهنم كما في قول معاوية بن مالك الملقَّب معوِّذَ الحُكماء :
إذا نزل السماءُ بأرض قوم *** رَعْينَاه وإنْ كانوا غضاباً
وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى { هاوية } وفسرت بأنها قعر جهنم .
وعلى الوجه الثالث يكون في { هِيه } استخدام أيضاً كالوجه الأول .
والهاء التي لحقت ياء ( هِي ) هاءُ السكت ، وهي هاء تُجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه ، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوماً ، وبعضه حسن ، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل : هو ، وهي ، وكيف ، وثم ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كِتابيه } في سورة الحاقة ( 19 ) .
وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل ، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أشعرك يا محمد ما الهاوية ؟ ...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
ثم قال على وجه التفخيم والتعظيم لأمرها : { وما أدراك } يامحمد ( صلى الله عليه وآله ) { ما هيه } أي إنك تعلمها على الجملة ، ولا تعلم تفصيلها وأنواع ما فيها من العقاب . والهاء في قوله { ما هيه } للسكت ، إلا أنه أجري الوصل معها مجرى الوقف ، ويجوز فيها الحذف . ...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{ وما أدراك } : هي ضمير يعود على هاوية إن كانت كما قيل دركة من دركات النار معروفة بهذا الاسم ، وإن كانت غير ذلك مما قيل فهي ضمير الداهية التي دل عليها قوله : { فأمه هاوية } ،...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{ وما أدراك } ، أي وأيّ شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك { ما هيه } ؟ أي الهاوية ؛ لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه ، وهاء السكت إشارة إلى أن ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال في الكلام ، أو إلى أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها سمعه ، فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ، ويصغي غاية الإصغاء . ...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
سؤال التجهيل والتهويل المعهود في القرآن ، لإخراج الأمر عن حدود التصور وحيز الإدراك ! ...