مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ} (20)

قوله تعالى : { ألم نخلقكم من ماء مهين ، فجعلناه في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، فقدرنا فنعم القادرون ، ويل يومئذ للمكذبين } .

اعلم أن هذا هو ( النوع الثالث ) من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين : ( الأول ) أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، وكلما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم ، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام : { ويل يومئذ للمكذبين } . ( الوجه الثاني ) أنه تعالى ذكرهم كونه قادرا على الابتداء ، وظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، لا جرم قال في حقهم : { ويل يومئذ للمكذبين } وأما التفسير فهو أن قوله : { ألم نخلقكم من ماء مهين } أي من النطفة ، كقوله : { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين }

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ} (20)

قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ } .

أي : حقير . وإذ قد علمتم ذلك فلِمَ لم تقيسوا أمر البعث عليه ؟

ويقال : ذَكَّرَهم أصلَ خلقتم لئلا يُعْجَبوا بأحوالهم ؛ فإنه لا جِنْسَ من المخلوقين والمخلوقاتِ أشدَّ دعوى من بني آدم . فمن الواجب أَنْ يَتَفَكَّرَ الإنسان في أَصلِه . . . كان نطفةً وفي انتهائه يكون جيفة ، وفي وسائط حالِه كنيفٌ في قميص ! ! فبالحريِّ ألاَّ يُدِلَّ ولا يفتخر :

كيف يزهو مَنْ رجيعهُ *** أَبَدَ الدهرِ ضجيعُه

فهو منه وإليه *** وأَخوه ورضيعُه

وهو يدعوه إلى الحُ *** شِّ بصغر فيطيعه ؟ ! !

ويقال : يُذكِّرهم أصلَهم . . كيف كان كذلك . . . ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة ، قال تعالى :

{ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } ، والذي يفعل ذلك قادِرٌ على أن يُرقِّيَكَ من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة .