مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (13)

قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون * ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين * أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } .

اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها ، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون { ألا تخافوا ولا تحزنوا } وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة ، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضا من غير واسطة .

واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحا فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال ، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم ، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول البتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الأكبر } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (13)

وفي نهاية هذا الشوط الأول يصور لهم جزاء المحسنين ، ويفسر لهم هذه البشرى التي يحملها إليهم القرآن الكريم ، بشرطها ، وهو الاعتراف بربوبية الله وحده والاستقامة على هذا الاعتقاد ومقتضياته :

إن الذين قالوا : ربنا الله . ثم استقاموا . فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ، جزاء بما كانوا يعملون . .

وقولة : ( ربنا الله ) . . ليست كلمة تقال . بل إنها ليست مجرد عقيدة في الضمير . إنما هي منهج كامل للحياة ، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه ، وكل حركة وكل خالجة ؛ ويقيم ميزانا للتفكير والشعور ، وللناس والأشياء ، وللأعمال والأحداث ، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود .

( ربنا الله )فله العبادة ، وإليه الاتجاه . ومنه الخشية وعليه الاعتماد .

( ربنا الله )فلا حساب لأحد ولا لشيء سواه ، ولا خوف ولا تطلع لمن عداه .

( ربنا الله )فكل نشاط وكل تفكير وكل تقدير متجه إليه ، منظور فيه إلى رضاه .

( ربنا الله )فلا احتكام إلا إليه ، ولا سلطان إلا لشريعته ، ولا اهتداء إلا بهداه .

( ربنا الله )فكل من في الوجود وكل ما في الوجود مرتبط بنا ونحن نلتقي به في صلتنا بالله .

( ربنا الله ) . . منهج كامل على هذا النحو ، لا كلمة تلفظها الشفاه ، ولا عقيدة سلبية بعيدة عن واقعيات الحياة .

( ثم استقاموا ) . . وهذه أخرى . فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج : استقامة النفس وطمأنينة القلب . استقامة المشاعر والخوالج ، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات . وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة . واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار . وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات ؛ وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك !

( ربنا الله ) . . منهج . . والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره . والذين يقسم الله لهم المعرفة والاستقامة هم الصفوة المختارة . وهؤلاء ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . . وفيم الخوف وفيم الحزن . . والمنهج واصل . والاستقامة عليه ضمان الوصول ?