روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ} (53)

{ وَإِذَا يتلى } أي القرآن { عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } أي بأنه كلام الله تعالى : { إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا } أي الحق الذي كنا نعرف حقيته ، وهو استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به ، وجوز أن تكون الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى : { إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ } أي من قبل نزوله { مُسْلِمِينَ } بيان لكون إيمانهم به أمراً متقادم العهد لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة وأنهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن ويكفي في كونهم على دين الإسلام قبل نزوله إيمانهم به إجمالاً . وفي الكشاف والبحر أن الإسلام صفة كل موحد مصدق بالوحي والظاهر عليه أن الإسلام ليس من خصوصيات هذه الأمة من بين الأمم . وذهب السيوطي عليه الرحمة إلى كونه من الخصوصيات وألف في ذلك كراسة وقال في ذيلها : لما فرغت من تأليف هذه الكراسة واضطجعت على الفراش للنوم ورد على قوله تعالى : { الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ } [ القصص : 52 ] الآية فكأنما ألقى على جبل لما أن ظاهرها الدلالة للقول بعدم الخصوصية وقد أفكرت فيها ساعة ولم يتجه له فيها شيء فلجأت إلى الله تعالى ورجوت أن يفتح بالجواب عنها فلما استيقظت وقت السحر إذا بالجواب قد فتح فظهر عنها ثلاثة أجوبة : الأول أن مسلمين اسم فاعل مراد به الاستقبال كما هو حقيقة فيه دون الحال والماضي والتمسك بالحقيقة هو الأصل وتقدير الآية إنا كنا من قبل مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا من بعثه ووصفه ويرشح هذا أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الأخبار بحقية القرآن وأنهم كانوا على قصد الإسلام به إذا جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وليس قصدهم الثناء على أنفسهم في حد ذاتهم بأنهم كانوا بصفة الإسلام أو لا لنبو المقام عنه كما لا يخفى ، الثاني أن يقدر في الآية إنا كنا من قبله مسلمين به فوصف الإسلام سببه القرآن لا التوراة والإنجيل ويرشح ذلك ذكر الصلة فيما قبل حيث قال سبحانه : { هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } [ القصص : 52 ] فإنه يدل على أن الصلة مرادة هنا أيضاً إلا أنها حذفت كراهة التكرار . الثالث أن هذا الوصف منهم بناء على ما هو مذهب الأشعري من أن من كتب الله تعالى أن يموت مؤمناً فهو يسمى عنده تعالى مؤمناً ولو كان في حال الكفر وإنما لم نطلق نحن هذا الوصف عليه لعدم علمنا بما عنده تعالى ، فهؤلاء لما ختم الله تعالى لهم بالدخول في الإسلام أخبروا عن أنفسهم أنهم كانوا متصفين به قبل لأن العبرة في هذا الوصف بالخاتمة ووصفهم بذلك أولى من وصف الكافر الذي يعلم الله تعالى أنه يموت على الإسلام به لأنهم كانوا على دين حق وهذا معنى دقيق استفدناه في هذه الآية من قواعد علم الكلام انتهى .

ولا يخفى ضعف هذا الجواب وكذا الجواب الأول وأما الجواب الثاني فهو بمعنى ما ذكرناه في الآية وقد ذكره البيضاوي وغيره وجوز أن يراد بالإسلام الإنقياد أي إنا كنا من قبل نزوله منقادين لأحكام الله تعالى الناطق بها كتابه المنزل إلينا ومنها وجوب الإيمان به فنحن مؤمنون به قبل نزوله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ} (53)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

فنعتهم الله عز وجل، فقال سبحانه: {وإذا يتلى عليهم} آياتنا، يقول: وإذا قرئ عليهم القرآن {قالوا ءامنا به} يعني صدقنا بالقرآن {إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يقول: إنا كنا من قبل هذا القرآن مخلصين لله عز وجل بالتوحيد.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وإذا يُتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نزول هذا القرآن "قالُوا آمَنّا بِهِ "يقول: يقولون: صدّقنا به "إنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّنا" يعني من عند ربنا نزل، إنا كنا من قبل نزول هذا القرآن مسلمين، وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاء به الأنبياء قبل مجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعليهم من الكتب، وفي كتبهم صفة محمد ونعته، فكانوا به وبمبعثه وبكتابه مصدّقين قبل نزول القرآن، فلذلك قالوا: "إنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ".

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بِحُسْنِ الاستسلام.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

إن قلت: أي فرق بين الاستئنافين: إنه وإنا؟ قلت: الأوّل تعليل للإيمان به، لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به. والثاني: بيان لقوله: {ءَامَنَّا بِهِ} لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم؛ لأنّ آباءهم القدماء قرأوا في الكتب الأُوَل ذِكرَه وأبناءَهم من بعدهم، {مِن قَبْلِهِ} من قبل وجوده ونزوله {مُسْلِمِينَ} كائنين على دين الإسلام؛ لأن الإسلام صفة كل موحد مصدّق للوحي.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم أكد هذا المعنى بقوله: {وإذا يتلى} أي تتجدد تلاوته {عليهم قالوا} مبادرين: {آمنا به}[...] لأن من كان على دين لا يكاد يصدق رجوعه عنه، فكيف إذا كان أصله حقاً من عند الله، {إنه الحق} أي الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل، مع كونه {من ربنا} المحسن إلينا، وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق تلاوته، لا بألسنتهم فقط، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به الموجب لشكره: {إنا كنا} أي كوناً هو في غاية الرسوخ؛ وأشار إلى أن من صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب، بإثبات الجار، فقال: {من قبله مسلمين} أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} استمعوا له وأذعنوا و {قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق. قال تعالي: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} الآيات. وقوله: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تلاوته فيعرف الذين عرفوا الحق من قبل أنه من ذلك المعين، وأنه صادر من ذلك المصدر الواحد الذي لا يكذب.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله {آمنا به} مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن: إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما للإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيئ رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيماناً إجمالياً يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته. وينظر إلى هذا المعنى قوله {إنا كنا من قبله مسلمين}، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام. وجملة {إنا كنا من قبله مسلمين} بيان لمعنى {آمنا به}.