التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ} (130)

قوله : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } أعقب به موعظتهم على اللهو واللعب والحرص على الدنيا بأن وعظهم على الشدة على الخلق في العقوبة ، وهذا من عدم التوازن في العقول فهم يبنون العلامات لإرشاد السابلة ويصطنعون المصانع لإغاثة العطاش فكيف يُلاقي هذا التفكير تفكيراً بالإفراط في الشدة على الناس في البطش بهم ، أي عقوبتهم .

والبطش : الضرب عند الغضب بسوط أو سيف ، وتقدم في قوله : { أم لهم أيدٍ يبطِشون بها } في آخر الأعراف ( 195 ) .

و { جبارين } حال من ضمير { بطشتم } وهو جمع جبّار ، والجبار : الشديد في غير الحق ، فالمعنى : إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر ، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم ، قال تعالى : { إن تريد إلاّ أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين } [ القصص : 19 ] . وشأن العقاب أن يكون له حَد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط ، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق .

وفي « صحيح مسلم » عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما : قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات . . . . " الحديث . ووقع فعل { بطشتم } الثاني جواباً ل { إذا } وهو مرادف لفعل شرطها ، لحصول الاختلاف بين فعل الشرط وفعل الجواب بالعموم والخصوص كما تقدم في قوله تعالى : { وإذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً } في سورة الفرقان ( 72 ) وإنما يقصد مثل هذا النظم لإفادة الاهتمام بالفعل إذ يحصل من تكريره تأكيد مدلوله .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ} (130)

ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه :

( وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) . .

فهم عتاة غلاظ ، يتجبرون حين يبطشون ؛ ولا يتحرجون من القسوة في البطش . شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ} (130)

قوله تعالى : " وإذا بطشتم بطشتم جبارين " البطش السطوة والأخذ بالعنف وقد بطش به يبطش ويبطش بطشا . وباطشه مباطشة . وقال ابن عباس ومجاهد : البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط . ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلما . وقال مجاهد أيضا : هو ضرب بالسياط . ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي . وقيل : هو القتل بالسيف في غير حق . حكاه يحيى بن سلام . وقال الكلبي والحسن : هو القتل على الغضب من غير تثبت . وكله يرجع إلى قول ابن عباس . وقيل : إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء . قال ابن العربي : ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى عن موسى : " فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " [ القصص : 19 ] وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفا ولا طعنه برمح ، وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته . والبطش يكون باليد وأقله الوكز والدفع ، ويليه السوط والعصا ، ويليه الحديد ، والكل مذموم إلا بحق . والآية نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم ، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم .

قلت : وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة ، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية{[12221]} ؛ فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق . وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون ، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) . وخرج أبو دواد من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا تبايعتم بالعينة{[12222]} وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) . " جبارين " قتالين . والجبار القتال في غير حق . وكذلك قوله تعالى : " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " [ القصص : 19 ] قاله الهروي . وقيل : الجبار المتسلط العاتي ، ومنه قوله تعالى : " وما أنت عليهم بجبار " [ ق : 45 ] أي بمسلط . وقال الشاعر :

سلبْنَا من الجَبَّارِ بالسيف مُلكَه *** عَشِيًّا وأطرافُ الرماح شَوارِعُ


[12221]:البحرية: هم من المماليك الأتراك الذين استخدمهم الملك الصالح الأيوبي، وأسكنهم جزيرة الروضة، وأول ملوكهم عز الدين أيبك، وكانت مدّة حكمهم من سنة 648-784 هـ.
[12222]:العينة أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى رجل معلوم ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به.