معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (97)

قوله تعالى : { إنا كفيناك المستهزئين } ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : فاصدع بأمر الله ، ولا تخف أحدا غير الله عز وجل ، فإن الله كافيك من عاداك كما كفاك المستهزئين ، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش : الوليد بن المخزومي - وكان رأسهم - والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد المطلب ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال : اللهم أعم بصره واثكله بولده ، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، والحارث بن قيس ابن الطلاطلة فأتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم ، والمستهزئون يطوفون بالبيت ، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، فمر به الوليد بن المغيرة فقال : جبريل : يا محمد كيف تجد هذا فقال بئس عبد الله ، فقال : قد كفيته ، وأومأ إلى ساق الوليد ، فمر برجل من خزاعة نبال يريش نباله وعليه برد يمان ، وهو يجر إزاره ، فتعلقت شظية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن يطاطئ رأسه فينزعها ، وجعلت تضرب ساقه ، فخدشته ، فمرض منها فمات . ومر به العاص بن وائل فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال : بئس عبد الله ، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه ، وقال : قد كفيته ، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقة فدخلت منها شوكة في أخمص رجله ، فقال : لدغت لدغت ، فطلبوا فلم يجدوا شيئا ، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير ، فمات مكانه . ومر به الأسود بن المطلب ، فقال : جبريل : كيف تجد هذا ؟ قال عبد سوء ، فأشار بيده إلى عينيه ، وقال : قد كفيته فعمي . قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه ، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك . وفى رواية الكلبي : أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك ، فاستغاث بغلامه ، فقال غلامه : لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك ، حتى مات ، وهو يقول قتلني رب محمد . ومر به الأسود بن عبد يغوث ، فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال : بئس عبد الله على أنه ابن خالي . فقال : قد كفيته ، وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات حينا . وفى رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد حبشيا ، فأتى أهله فلم يعرفوه ، وأغلقوا دونه الباب حتى مات ، وهو يقول : قتلني رب محمد . ومر به الحارث بن قيس فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ، فقال : عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال : قد كفيته فامتخط قيحا فقتله .

وقال ابن عباس : أنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى أنقد بطنه فمات ، فذلك قوله تعالى : { إنا كفيناك المستهزئين } ، بك وبالقرآن { الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون }

وقيل : استهزاؤهم واقتسامهم : هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن سورة البقرة ، وسورة النحل ، وسورة النمل ، وسورة العنكبوت ، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء : هذا في سورة البقرة ، ويقول هذا في سورة النحل ، ويقول هذا في سورة العنكبوت ، فأنزل الله تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (97)

قوله تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } الله يعلم أن رسوله الكريم يضيق صدره مما يسفهه قومه عليه . والنبي ( ص ) بشر من البشر ؛ فهو في جبلته البشرية وطبيعته الإنسانية لا جرم يألم مما يتقوله الظالمون الكافرون عليه وعلى دينه من طعون وإساءات . وفي هذه الكلمات القرآنية الحانية ما يسرّي عن قلب رسول الله ( ص ) وعن قلوب المؤمنين الغيورين على دين الله مما ينتابهم من حين لآخر من شديد الاغتمام والابتئاس والمضاضة ، وذلك لما يسمعونه من فاسد التقول الظالم ومن خبيث الطعون والشبهات والأكاذيب التي يرسلها المنافقون والمشركون الحاقدون على اختلاف مللهم وعقائدهم وثقافاتهم .

الله يعلم ما يصيب قلوب المؤمنين الغيورين من عباده على دينه من لاذع القول المهين ، مما تزدرده حناجر الأفاكين والخراصين الدجاجلة في كل حين وزمان ، وهي تفتري على الإسلام وعقيدته وشرعه وأحكامه وقيمه وتعاليمه . تفتري عليه باصطناع الأباطيل الملفقة من سقط الفكر التافه مما يثير في أذهان الناس والمسلمين جملة من الشكوك والظنون والأوهام التي تحملهم على الافتتان عن دين الله ، والارتياب في روعة هذا الدين الكامل المميز وصلاحه .

الله يعلم الضيق الشديد الذي يمس باحتراره شغاف القلوب المؤمنة الغيورة على الإسلام مما يتقاطر من أكاذيب وطعون ملفقة تفيض بها أقلام الحاقدين من أعداء الإسلام الذي يكيدون في كل آن للإسلام بمختلف أساليب التخريص والباطل من أجل تشويه الأذهان وتلويث الثقافات والمعارف الإنسانية . وهم في ذلك إنما يفترون على الله ورسوله ودينه افتراءات ظالمة شتى . سواء في ذلك الطعن في شخصية رسول الله ( ص ) أو الطعن في نظام الإسلام بسوء التحليل والتأويل ، ومختلف الأساليب في التزييف والتزوير والتضليل وذلك هو ديدن الظالمين من خصوم الإسلام في كل زمان ، بدءا بجيئة رسول الله ( ص ) إلى الدنيا حتى زماننا الراهن هذا .

هذا هو ديدنهم في التضليل والتشويه واختلاف الطعون والشبهات لتنفير الناس والمسلمين من دين الله الكامل الشامل . دين الإسلام .

ومع فظاعة الكيد للإسلام والإفراط في الخيانة والتآمر عليه من المتمالئين والكائدين والمتخرصين الأفاكين ؛ مع ذلك كله فقد كتب الله النصر والغلبة لدينه وللمؤمنين بالرغم مما يصيبهم في كثير من الأحيان من شديد الانتكاس والتقهقر بسبب تقصيرهم وتفريطهم ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .