أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ} (96)

{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بالتوراة أو المعجزات . { وسلطان مبين } وهو المعجزات القاهرة أو العصا ، وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها ، ويجوز أن يراد بهما واحد أي : ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها ، فإن أبان جاء لازما ومتعديا ، والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة ، والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ} (96)

كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه ، وتعظيماً لأمره ، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها ، ومعجزاته الباهرة ، وبراهينه القاهرة .

ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه ، وقد دَله - سبحانه- على ذلك لمَّا قال : إلهي ! كيف أطلبك ؟

فقال : عند المنكسرةِ قلوبهُم من أجلي .

فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه ، وانكساره لله بقلبه ، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه ؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه ، كما قال : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنّي } [ طه :39 ] فما رآه احدٌ إلا أحَبَّه ، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة ، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه . . . . كما في الخبر ، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة ، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية ، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة ، وقال الله : { إِنْ هي إلاَّ فِتْنَتُكَ } [ الأعراف : 155 ] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة . . . ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة .

رضوا بمتابعة فرعون ، فاستحقوا ما استحقه . لم يشعروا بخطئِهم ، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً . وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم ، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم ، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده ، وأسرف في مجاوزة حدوده .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ} (96)

ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ، بالإِشارة إلى قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملته ، فقال - تعالى - :

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا . . . }

موسى - عليه السلام - هو ابن عمران ، من نسل " لاوى " بن يعقوب .

ويرى بعض المؤرخين أو ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى .

والمراد بالآيات : الآيات التسع المشار إليه فى قوله - تعالى - " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات . . . "

وهى : العصا ، واليد والبيضاء ، والسنون ، والعجاف ، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .

والسلطان المبين : الحجة الواضحة ، والبرهان الظاهر على صدقه ، وسمى ذلك سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على ما يدعى ، يقهر ويغلب من لا حجة ولا برهان معه ، كما يقهر السلطان غيره .

والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - بمعجزاتنا الدالة على صدقه ، وبحجته القوية الواضحة ، الشاهدة على أنه رسول من عندنا ، إلى فرعون وملئه الذين هم خاصته ، وسادات قومه وكبراؤهم . . .

وخصهم بالذكر مع فرعون ، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره ، ويعاونونه على فساده والضمير فى قوله { فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } يعود إلى الملأ .

أى : فاتبعوا أمره فى كل ما قرره من كفر ، وفى كل ما أشار به من فساد .

وفى هذه الجملة الكريمة - كما يقول الزمخشرى - تجهيل لهم ، حيث شايعوه على أمره ، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ، وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم ، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذى لا يأتى إلا من شيطان ما رد ، فاتبعوه وسلموا له دعواه ، وتتابعوا على طاعته .