ولو وقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون : ( إنا لمغرمون ) : غارمون( بل نحن محرومون ) . .
ولكن فضل الله يمنحهم الثمر ، ويسمح للنبتة أن تتم دورتها ، وتكمل رحلتها ، وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى . . وهي صورة من صور الحياة التي تنشئها القدرة وترعاها .
فماذا في النشأة الأخرى من غرابة . وهذه هي النشأة الأولى ? . .
" إنا لمغرمون " وقرأ أبو بكر والمفضل " أئنا " بهمزتين على الاستفهام ، ورواه عاصم عن زر بن حبيش . الباقون بهمزة واحدة على الخبر ، أي يقولون " إنا لمغرمون " أي معذبون ، عن ابن عباس وقتادة قالا : والغرام العذاب ، ومنه قول ابن المحلم :
وثقت بأن الحفظ مني سَجِيَّة *** وأن فؤادي مُتْبَلٌ بك مغرمُ
وقال مجاهد وعكرمة : لمولع بنا ، ومنه قول النمر بن تولب :
سلاَ عن تذكُّره تُكْتَمَا{[14665]} *** وكان رهيناً بها مُغْرَما
يقال : أغرم فلان بفلانة ، أي أولع بها ومنه الغرام وهو الشر اللازم . وقال مجاهد أيضا : لملقون شرا . وقال مقاتل بن حيان : مهلكون . النحاس : " إنا لمغرمون " مأخوذ من الغرام وهو الهلال ، كما قال{[14666]} :
يومُ النِّسَار ويوم الجِفَا ***رِ كانا عذاباً وكانا غراماً
والضحاك وابن كيسان : هو من الغرم ، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض ، أي غرمنا الحب الذي بذرناه . وقال مرة الهمداني : محاسبون .
ولما ذكر تفكههم ، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى التنعم ، قال الكسائي : هو من الأضداد ، تقول العرب : تفكهت أي تنعمت ، وتفكهت ، أي حزنت ، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم : { إنا } وأكد إعلاماً بشدة بأسهم فقال{[62191]} { لمغرمون * } أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا ، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه ، وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم{[62192]} من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم ، وعليه يدل إضرابهم{[62193]} : { بل نحن . . . }