كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه ، وتعظيماً لأمره ، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها ، ومعجزاته الباهرة ، وبراهينه القاهرة .
ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه ، وقد دَله - سبحانه- على ذلك لمَّا قال : إلهي ! كيف أطلبك ؟
فقال : عند المنكسرةِ قلوبهُم من أجلي .
فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه ، وانكساره لله بقلبه ، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه ؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه ، كما قال : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنّي } [ طه :39 ] فما رآه احدٌ إلا أحَبَّه ، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة ، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه . . . . كما في الخبر ، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة ، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية ، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة ، وقال الله : { إِنْ هي إلاَّ فِتْنَتُكَ } [ الأعراف : 155 ] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة . . . ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة .
رضوا بمتابعة فرعون ، فاستحقوا ما استحقه . لم يشعروا بخطئِهم ، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً . وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم ، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم ، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده ، وأسرف في مجاوزة حدوده .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } وهي الآيات التسع العصا . واليد البيضاء . والطوفان . والجراد . والقول والقمل . والضفادع . والدم . والنقص من الثمرات والأنفس ، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول { أَرْسَلْنَا } أو نعتاً لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبساً بآياتنا . أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً بها .
{ وسلطان مُّبِينٍ } هو المعجزات الباهرة منها وهو العصا والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها ، والمراد بالآيات ما عداها ، ويجوز أن يراد بهما واحد ، والعطف باعتبار التغاير الوصفي أي أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وكونه سلطاناً له على نبوته واضحاً في نفسه أو موضحاً إياها من أبان لازماً بمعنى تبين ومتعدياً بمعنى بين ، وجعل بعضهم الآيات والسلطان شيئاً واحداً في نفس الأمر إلا أن في ذلك تجريداً نحو مررت بالرجل الكريم . والنسمة المباركة كأنه جرد من الآيات الحجة وجعلها غيرها وعطفت عليها لذلك ، وجوز أن يكون المراد بالآيات ما سمعت وبالسلطان ما بينه عليه السلام في تضاعيف دعوته حين قال له فرعون : { مِنْ * رَبّكُمَا } [ طه : 49 ] { فَمَا بَالُ القرون الاولى } [ طه : 51 ] من الحقائق الرائقة . والدقائق اللائقة ، أو هو الغلبة والاستيلاء كما في قوله سبحانه : { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا } [ القصص : 35 ] وجعله عبارة عن التوراة ، أو إدراجها في جملة الآيات يرده كما قال أبو حيان قوله عز وجل :
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ، بالإِشارة إلى قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملته ، فقال - تعالى - :
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا . . . }
موسى - عليه السلام - هو ابن عمران ، من نسل " لاوى " بن يعقوب .
ويرى بعض المؤرخين أو ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى .
والمراد بالآيات : الآيات التسع المشار إليه فى قوله - تعالى - " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات . . . "
وهى : العصا ، واليد والبيضاء ، والسنون ، والعجاف ، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .
والسلطان المبين : الحجة الواضحة ، والبرهان الظاهر على صدقه ، وسمى ذلك سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على ما يدعى ، يقهر ويغلب من لا حجة ولا برهان معه ، كما يقهر السلطان غيره .
والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - بمعجزاتنا الدالة على صدقه ، وبحجته القوية الواضحة ، الشاهدة على أنه رسول من عندنا ، إلى فرعون وملئه الذين هم خاصته ، وسادات قومه وكبراؤهم . . .
وخصهم بالذكر مع فرعون ، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره ، ويعاونونه على فساده والضمير فى قوله { فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } يعود إلى الملأ .
أى : فاتبعوا أمره فى كل ما قرره من كفر ، وفى كل ما أشار به من فساد .
وفى هذه الجملة الكريمة - كما يقول الزمخشرى - تجهيل لهم ، حيث شايعوه على أمره ، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ، وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم ، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذى لا يأتى إلا من شيطان ما رد ، فاتبعوه وسلموا له دعواه ، وتتابعوا على طاعته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.