في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ} (45)

وعلى ذكر عباد الله المخلصين - الذين استثناهم من تذوق العذاب الأليم - يعرض صفحة هؤلاء العباد المخلصين في يوم الدين . ويعود العرض متبعاً نسق الإخبار المصور للنعيم الذي يتقلبون في أعطافه - في مقابل ذلك العذاب الأليم للمكذبين - :

( أولئك لهم رزق معلوم . فواكه وهم مكرمون . في جنات النعيم . على سرر متقابلين . يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون . وعندهم قاصرات الطرف عين . كأنهن بيض مكنون . . . ) .

وهو نعيم مضاعف يجمع كل مظاهر النعيم . نعيم تستمتع به النفس ويستمتع به الحس . وتجد فيه كل نفس ما تشتهيه من ألوان النعيم .

فهم - أولاً - عباد الله المخلصون . وفي هذه الإشارة أعلى مراتب التكريم . وهم - ثانياً -( مكرمون )في الملأ الأعلى . وياله من تكريم ! ثم إن لهم( فواكه )وهم على ( سرر متقابلين ) . وهم يخدمون فلا يتكلفون شيئاً من الجهد في دار الراحة والرضوان والنعيم : ( يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ) . . وتلك أجمل أوصاف الشراب ، التي تحقق لذة الشراب ، وتنفي عقابيله . فلا خمار يصدع الرؤوس ، ولا منع ولا انقطاع يذهب بلذة المتاع !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ} (45)

{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ } إما استئناف لبيان ما يكون فهم في مجالس أنسهم أو حال من الضمير في { متقابلين } [ الصافات : 44 ] أو في أحد الجارين : وجوز كونه صفة لمكرمون . وفاعل الطواف على ما قيل من مات من أولاد المشركين قبل التكليف . ففي «الصحيح » أنهم خدم أهل الجنة . وقد صرح به في موضع آخر وهو قوله تعالى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ } [ الواقعة : 17 ] وقوله سبحانه : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ * غِلْمَانٌ لَّهُمْ } [ الطور : 24 ] { بِكَأْسٍ } أي بخمر كما روى عن ابن عباس . وأخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وغيرهما عن الضحاك قال : كل كأس ذكره الله تعالى في القرآن إنما عني به الخمر . ونقل ذلك أيضاً عن الحبر . والأخفش وهو مجاز مشهور بمنزلة الحقيقة . وعليه قول الأعشى :

وكأس شربت على لذة *** وأخرى تداويت منها بها

ويدل على أنه أراد بها الخمر إطلاقاً للمحل على الحال قوله شربت . وتقدير شربت ما فيها تكلف . والقرينة ههنا ما يأتي بعد . وجوز تفسيره بمعناه الحقيقي وهو إناء فيه خمر ، وأكثر اللغويين على أن إناء الخمر لا يسمى كأساً حقيقة إلا وفيه خمر فإن خلا منه فهو قدح ، والخمر ليس بمتعين ، قال في «البحر » الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأساً إلا وفيه ذلك ، وقال الراغب : الكأس الإناء بما فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأساً يقال كأس خال ويقال شربت كأساً وكأس طيبة ، ولعل كلامه أظهر في أن تسمية لخالي كأساً مجاز ، وحكى عن بعضهم أنه قال : الكأس من الأواني كل ما اتسع فمه ولم يكن مقبض ولا يراعى كونه لخمر أو لغيره { مّن مَّعِينٍ } في موضع الصفة لكأس أي كائنة من شراب معين أو نهر معين أي ظاهر للعيون جار على وجه الأرض كما تجري الأنهار أو خارج من العيون والمنابع . وأصله معيون من عان الماء إذا ظهر أو نبع على أن ميمه زائدة أو هو من معن فهو فعيل على أن الميم أصلية .

ووصف به خمر الجنة تشبيهاً لها بالماء لكثرتها حتى تكون أنهاراً جارية في الجنان . ويؤذن ذلك برقتها ولطافتها وأنها لم تدس بالأقدام كخمر الدنيا كما ينبئ عن دوسها بها قوله :

بنت كرم يتموها أمها *** ثم هانوها بدوس بالقدم

ثم عادوا حكموها فيهم *** ويلهم من جور مظروم حكم

وقول الآخر :

وشمولة من عهد عاد قد غدت *** صرعى تداس بأرجل العصار

لانت لهم حتى انتشوا فتمكنت *** منهم فصاحب فيهم بالثار

وهذا مبني على أنها خمر في الحقيقة ، وجوز أن تكو ماء فيه لذة الخمر ونشأته فالوصف بذلك ظاهر ، وتفيد الآية وصف مائهم باللذة والنشأة ، وما ذكر أولاً هو الظاهر نعم قال غير واحد : لا اشتراك بين ما في الدنيا وما في الجنة إلا بالأسماء فحقيقة خمر الجنة غير حقيقة خمر الدنيا وكذا سائر ما فيهما .