في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (31)

23

ويمضي السياق يعرض مشهدا آخر من مشاهد الرسالة الواحدة والتكذيب المكرور :

ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . أفلا تتقون ? وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ، وأترفناهم في الحياة الدنيا : ما هذا إلا بشر مثلكم ، يأكل مما تأكلون منه ، ويشرب مما تشربون . ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذن لخاسرون . أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ? هيهات هيهات لما توعدون ! إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا ، وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ، وما نحن له بمؤمنين . قال : رب انصرني بما كذبون . قال : عما قليل ليصبحن نادمين . فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء . فبعدا للقوم الظالمين . .

إن استعراض قصص الرسل في هذه السورة ليس للتقصي والتفصيل ؛ إنما هو لتقرير الكلمة الواحدة التي جاء بها الجميع ، والاستقبال الواحد الذي لقوه من الجميع . ومن ثم بدأ بذكر نوح - عليه السلام - ليحدد نقطة البدء ؛ وانتهى بموسى وعيسى ليحدد النقطة الأخيرة قبل الرسالة الأخيرة . ولم يذكر الأسماء في وسط السلسلة الطويلة ، كي يدل على تشابه حلقاتها بين البدء والنهاية . إنما ذكر الكلمة الواحدة في كل حلقة والاستقبال الواحد ، لأن هذا هو المقصود .

( ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) . . لم يحدد من هم . وهم على الأرجح عاد قوم هود . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (31)

تتابعت القرونُ على طريقةٍ واحدةٍ في التكذيب ، وغرّهم طولُ الإمهال ، وما مكنَّهم من رَفَه العيش وخَفْض الدّعَةِ ، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم ، ولم يَسْمُ لهم طَرَفٌ إلى مَنْ فوقهم في الحال والمنزلة ، فقالوا : أنؤمن بمن يتردد في الأسواق ، وينتفع مثلنا بوجوه الإرفاق ؟ ولئن أطعنا بشراً مثلنا لَسَلَكنا سبيلَ الغَيِّ ، وتَنَكَبْنا سُنَّةَ الرُّشْدِ . فأجراهم اللُّه في الإهانةِ وإحلال العقوبة بهم مجرًى واحداً وأذاقهم عذابَ الخزْي . وأعظمُ ما دَاخَلَهم من الشُّبهةِ والاستبعادِ أمرْ الحشْرِ والنشر ، ولم يرتقوا للعلم بأنَّ الإعادة كالابتداء في الجواز وعدم الاستحالة ، والله يهدي مَنْ يشاء ويُغْوِي مَنْ يريد .

ثم إن الله في هذه السورة ذَكَرَ قصةَ موسى عليه السلام ، ثم بعده قصةَ عيسى عليه السلام ، وخَصَّ كُلَّ واحدٍ منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة .