في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ} (221)

192

والجولة الأخيرة في السورة حول القرآن أيضا . ففي المرة الأولى أكد أنه تنزيل من رب العالمين . نزل به الروح الأمين . وفي المرة الثانية نفى أن تتنزل به الشياطين . أما في هذه المرة فيقرر أن الشياطين لا تتنزل على مثل محمد [ صلى الله عليه وسلم ] في أمانته وصدقه وصلاح منهجه ؛ إنما تتنزل على كل كذاب آثم ضال من الكهان الذي يتلقون إيحاءات الشياطين ويذيعونها مع التضخيم والتهويل :

( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ? تنزل على كل أفاك أثيم . يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) . .

وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار ، وكان الناس يلجأون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم .

وأكثرهم كاذبون . والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب . وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى ، ولا يأمرون بتقوى ، ولا يقودون إلى إيمان . وما هكذا كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدعو الناس بهذا القرآن إلى منهج قويم .

ولقد كانوا يقولون عن القرآن أحيانا : إنه شعر ، ويقولون عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إنه شاعر . وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا ، والذي يدخل إلى قلوب الناس ، ويهز مشاعرهم ، ويغلبهم على إرادتهم من حيث لا يملكون له ردا .

فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا . فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح ، ويدعو إلى غاية محددة ، ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية . والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا ، ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة ؛ إنما يصر على دعوة ، ويثبت على عقيدة ، و يدأب على منهج لا عوج فيه . والشعراء ليسوا كذلك . الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة . تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت . ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود . وفي لحظة أبيض . يرضون فيقولون قولا ، ويسخطون فيقولون قولا آخر . ثم هم آصحاب أمزجة لا تثبت على حال !

هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها ، ويتخيلون أفعالا ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها . فيقل اهتمامهم بواقع الأشياء ، لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعا آخر يعيشون عليه !

وليس كذلك صاحب الدعوة المحددة ، الذي يريد تحقيقها في عالم الواقع ودنيا الناس . فلصاحب الدعوة هدف ، وله منهج ، وله طريق . وهو يمضي في طريقه على منهجه إلى هدفه مفتوح العين ، مفتوح القلب ، يقظ العقل ؛ لا يرضى بالوهم ، ولا يعيش بالرؤى ، ولا يقنع بالأحلام ، حتى تصبح واقعا في عالم الناس .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ} (221)

هذا جواب لمن قال من مكذبي الرسول : إن محمدا ينزل عليه شيطان . وقول من قال : إنه شاعر فقال : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أي : أخبركم الخبر الحقيقي الذي لا شك فيه ولا شبهة ، على من تنزل الشياطين ، أي : بصفة الأشخاص ، الذين تنزل عليهم الشياطين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ} (221)

ولما بين سبحانه أن القرآن مناف لأقوال الشياطين ، وبين أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أتباعه منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان بما ذكره سبحانه من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أشياعه رضي الله عنهم من الإقبال على الله ، والإعراض عما سواه ، فعلم أن بينهم وبينهم بوناً بعيداً ، وفرقاً كبيراً شديداً ، وأن حال النبي صلى الله عليه وسلم موافق لحال الروح الأمين ، النازل عليه بالذكر الحكيم ، تشوفت النفس إلى معرفة أحوال إخوان الشياطين ، فقال محركاً لمن يريد ذلك ، متمماً لدفع اللبس عن كون القرآن من عند الله ، وفرق بين الآيات المتكلفة بذلك تطرية لذكرها وتنبيهاً على تأكيد أمرها : { هل أنبئكم } أي أخبركم خبراً جليلاً نافعاً في الدين ، عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان { على من تنزل } وتردد { الشياطين* } حين تسترق السمع على ضرب من الخفاء بما آذن به حذف التاء ، ودخل حرف الجر على الاسم المتضمن للاستفهام ، لأن معنى التضمن أنه كان أصله : أمن ، فحذفت منه الهمزة حذفاً مستمراً كما فعل في " هل " لأن أصله " أهل " كما قال :

سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

فالاستفهام مقدر قبل الجار - أفاده الزمخشري .