وينتهي هذا المقطع ، الذي ورد فيه ذكر الاستهزاء بآيات الله ، والصد عنها والاستكبار ، بكلمة عن حقيقة هذه الآيات ؛ وجزاء من يكفر بهذه الحقيقة في إجمال :
( هذا هدى . والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ) . .
إن حقيقة هذا القرآن أنه هدى . هدى خالص مصفى . هدى ممحض لا يشوبه ضلال . فالذي يكفر بعد ذلك بالآيات ، وهذه حقيقتها ، يستحق ألم العذاب . الذي يمثله توكيد معنى الشدة والإيلام . فالرجز هو العذاب الشديد . والعذاب الذي يهددون به هو عذاب من رجز أليم . . تكرار بعد تكرار . وتوكيد بعد توكيد . يليق بمن يكفر بالهدى الخالص الممحض الصريح .
الرجز : أشد العذاب ، ويطلق أيضا على القذر كالرجس .
11- { هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } .
أي : القرآن الكريم مصدر هداية أو هو نفس الهداية ، والدعوة إلى الرشاد والإيمان ، أما الذين كفروا بالقرآن وكذبوا بآيات الله ، فلهم عذاب مؤلم مذل مهين .
قال الزمخشري : الزجر أشد العذاب .
{ هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } .
إن حقيقة هذا القرآن أنه هدى ، هدى خالص مصفى ، هدى ممحض لا يشوبه ضلال ، فالذي يكفر بعد ذلك بالآيات -وهذه حقيقتها- يستحق ألم العذاب ، الذي يمثله توكيد معنى الشدة والإيلام ، فالرجز هو العذاب الشديد ، والعذاب الذي يهددون به هو عذاب من رجز أليم ، تكرار بعد تكرار ، وتوكيد بعد توكيد يليق بمن يكفر بالهدى الممحض الصريح4 .
{ هذا } أي القرآن كما يدل عليه ما بعد وكذا ما قبل ك { يسمع آيات الله } [ الجاثية : 8 ] و { إذا علم من آياتنا } [ الجاثية : 9 ] و { تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا } [ الجاثية : 6 ] { هُدًى } في غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها { والذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ } يعني القرآن أيضاً على أن الإضافة للعهد ، وكان الظاهر الإضمار لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لزيادة تشنيع كفرهم به وتفظيع حالهم ، وجوز أن يراد بالآيات ما يشمله وغيره .
{ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } من أشد العذاب { أَلِيمٌ } بالرفع صفة { عَذَابِ } أخر للفاصلة .
وقرأ غير واحد من السبعة { أَلِيمٌ } بالجر على أنه صفة { رِجْزَ } ، وجعله صفة { عَذَابِ } أيضاً والجر للمجاورة مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وقيل : على قراءة الرفع إن الرجز بمعنى الرجس الذي هو النجاية ، والمعنى لهم عذاب أليم من تجرع رجس أو شرب رجس والمراد به الصديد الذي يتجرعه الكافر ولا يكاد يسيغه ولا داعي لذلك كما لا يخفى ، وتنوين { عَذَابِ } في المواقع الثلاثة للتفخيم ، ورفعه إما على الابتداء وإما على الفاعلية للظرف .
فلما بين آياته القرآنية والعيانية وأن الناس فيها على قسمين ، أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية أنه هدى فقال : { هَذَا هُدًى } وهذا وصف عام لجميع القرآن ، فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدسة وأفعاله الحميدة ، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائه وأعدائه ، وأوصافهم ، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها ويبين الأعمال السيئة وينهى عنها ، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال ويبين الجزاء الدنيوي والأخروي ، فالمهتدون اهتدوا به فأفلحوا وسعدوا ، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } الواضحة القاطعة التي لا يكفر بها إلا من اشتد ظلمه وتضاعف طغيانه ، { لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ }
{ هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 ) }
هذا القرآن الذي أنزلناه عليك -يا محمد- هدى من الضلالة ، ودليل على الحق ، يهدي إلى طريق مستقيم مَن اتبعه وعمل به ، والذين جحدوا بما في القرآن من الآيات الدالة على الحق ولم يُصَدِّقوا بها ، لهم عذابٌ مِن أسوأ أنواع العذاب يوم القيامة ، مؤلم موجع .
والإِشارة فى قوله - تعالى - { هذا هُدًى } تعود إلى القرآن الكريم . والهدى مصدر هداه إلى الشيء إذا دله وأرشده إليه .
أي هذا القرآن الذي أوحيناه إليك يا محمد ، في أعلى درجات الهداية وأكملها .
{ والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } الدالة على وجوب إخلاص العبادة له .
{ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } والرجز : يطلق على أشد أنواع العذاب . .
أي : لهم أشد أنواع العذاب ، وأكثره إيلاما وإهانة .
وجمهور القراء قرأ { أليم } بالخفض على أنه نعت لقوله { رِّجْزٍ } وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { أليم } بالرفع ، على أنه صفة لعذاب .
وهذه الآيات تهديد لكل من كانت فيه هذه الصفات التي منها : كثرة الكذب ، وكثرة اقتراف السيئات ، والإِصرار على الباطل . . . ويدخل في هذا التهديد دخولا أوليا ، النضر بن الحارث ، الذي كان يشتري أحاديث الأعاجم ليشغل بها الناس عن سماع القرآن ، والذي قيل إن هذه الآيات قد نزلت فيه .
قوله : { هذا هدى } المراد باسم الإشارة { هذا } القرآن ، فقد أنزله الله للعالمين ليكون لهم { هدى } يستدلون به على الحق ويستضيئون به لبلوغ السداد والرشاد . إن القرآن أو الإسلام هداية للناس يبصّرهم بالطريق السوي المستقيم ويستنقذهم من الضلال والباطل والنار ليبوءوا بالسعادة والنجاة { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } الذين جحدوا القرآن وكذبوا به لهم من الله سوء الجزاء إذ أعد لهم عذابا من رجز أليم وجيع . والرجز معناه العذاب أو القذر{[4183]} .