يرسل السماء : المطر الذي في السحاب .
11- يرسل السماء عليكم مدرارا .
إن التوبة والاستغفار واللجوء إلى الله من أسباب نزول المطر المتتابع الذي يتسبب في حياة الأرض بالزراعة ، وخروج الحبّ والخير .
قال قتادة : كانوا أهل حبّ للدنيا ، فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبّونها . اه .
وكانوا قد أصيبوا بالقحط وقلة الذريّة وعقم النّساء ، فوعدهم إن آمنوا أن يرفع الله عنهم القحط ، وييسر لهم الرزق .
وقد تكرّر هذا المعنى في القرآن الكريم حيث ربط القرآن بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى الله وبين تيسير الأرزاق وعموم الرخاء .
قال تعالى : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . ( الأعراف : 96 ) .
وقال عز شأنه : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم* ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أجلهم . . . ( المائدة : 65 ، 66 ) .
وهذه القاعدة التي وضعها القرآن قاعدة صحيحة ، تقوم على أسبابها من وعد الله ومن سنة الحياة .
قال تعالى : ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . ( الأنبياء : 105 ) .
لقد كان الاتحاد السوفيتي من أعظم الدول ، وسادت فيه الجاسوسية وإهدار قيمة الإنسان ، وتفككت دوله وانهار كيانه .
( ونجد في أمريكا وفرة في الأرزاق ، وتمكينا في الأرض ، ومع ذلك نجد هبوطا في المستوى الأخلاقي ، وهبوطا في تصوّر الحياة إلى الدرك الأسفل ، فيقوم كلّه على الدولار )i .
لقد بيّن القرآن أن الله يختبرنا بالخير والشر فتنة ، قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة . . . ( الأنبياء : 35 ) .
إن الأمة الإسلامية مدعوة إلى الرجوع إلى هدى القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والارتفاع إلى مستوى الأحداث ، والتقدم العلمي والعملي ، والرقي في السلوك والأخلاق ، لتعود بحق : خير أمة أخرجت للناس . . . ( آل عمران : 110 ) .
ولن يجد بابا مفتوحا لعز الدنيا وسعادة الآخرة أوسع من باب الله ، والفهم الصحيح لكتابه ، والقدوة الذكية لسنّة نبينا ، والتبصّر بأحداث أيامنا ، وفقه الواقع الذي نعيش فيه ، حتى يغيّر الله ما بنا من تخلف وهوان .
كما قال سبحانه وتعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . . . ( الرعد : 11 ) .
وكما قال سبحانه وتعالى : إن تنصروا الله ينصروكم ويثبت أقدامكم . ( محمد : 7 ) .
{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } { يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } وذلك أنهم لما كذبوه حبس الله عنهم المطر وأعقم نساءهم فهلكت أموالهم ومواشيهم فوعدهم نوح إن آمنوا أن يرد الله عليهم ذلك فقال { يرسل السماء عليكم مدرارا } كثيرة الدر أي كثيرة المطر { ويمددكم بأموال وبنين } يعطكم زينة الدنيا وهي المال والبنون
الثانية- قوله تعالى : " يرسل السماء عليكم مدرارا " أي يرسل ماء السماء ، ففيه إضمار . وقيل : السماء المطر ، أي يرسل المطر . قال الشاعر{[15382]} :
إذا سقط السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غِضَابَا
و " مدرارا " ذا غيث كثير . وجزم " يرسل " جوابا للأمر . وقال مقاتل : لما كذبوا نوحا زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فهلكت مواشيهم وزروعهم ، فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به . فقال " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه . ثم قال ترغيبا في الإيمان : " يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لهم جنات ويجعل لكم أنهارا " . قال قتادة : علم نبي الله صلي الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال : ( هلموا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة ) .
الثالثة- في هذه الآية والتي في " هود{[15383]} " دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار . قال الشعبي : خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع ، فأمطروا فقالوا : ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح{[15384]} السماء التي يستنزل بها المطر ، ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا " . وقال الأوزاعي : خرج الناس يستسقون ، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : اللهم إنا سمعناك تقول : " ما على المحسنين من سبيل " التوبة : 91 ] وقد أقررنا بالإساءة ، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا ؟ ! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا ! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا . وقال ابن صبيح : شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له : استغفر الله . وشكا آخر إليه الفقر فقال له : استغفر الله . وقال له آخر . ادع الله أن يرزقني ولدا ، فقال له : استغفر الله . وشكا إليه آخر جفاف بستانه ، فقال له : استغفر الله . فقلنا له في ذلك ؟ فقال : ما قلت من عندي شيئا ، إن الله تعالى يقول في سورة " نوح " : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا " . وقد مضى في سورة " آل عمران{[15385]} " كيفية الاستغفار ، وإن ذلك يكون عن إخلاص وإقلاع من الذنوب . وهو الأصل في الإجابة .
{ يرسل السماء عليكم مدرارا } مفعول من الدر وهو كثرة الماء ، وفي الآية دليل على أن الاستغفار يوجب نزول الأمطار ولذلك خرج عمر بن الخطاب إلى الاستسقاء فلم يزد على أن استغفر ثم انصرف فقيل له : ما رأيناك استسقيت فقال : والله لقد استسقيت أبلغ الاستسقاء ثم نزل المطر وشكا رجل إلى الحسن الجدب فقال له : استغفر الله .