مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ} (25)

قوله تعالى : { مناع للخير } .

فيه وجهان ( أحدهما ) كثير المنع للمال الواجب ، وإن كان من الكفر ، فهو أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيدا حيث أنكر الأمر اللائح والحق الواضح ، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب ، والخير هو المال ، فيكون كقوله تعالى : { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة } حيث بدأ ببيان الشرك ، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول : كفر أنعم الله تعالى ، ولم يؤد منها شيئا لشكر أنعمه ( ثانيهما ) شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير .

قوله تعالى : { معتد } .

فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون قوله { معتد } مرتبا على { مناع } بمعنى مناع الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضا بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين ( وثانيهما ) أن يكون قوله { معتد } مرتبا على { مناع } بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه .

قوله تعالى : { مريب } .

فيه وجهان ( أحدهما ) ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، والثواب فيقول : لا أقرب مالا من غير عوض ( وثانيهما ) { مريب } يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعا ، وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله ، وإلى رسول الله ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله { كفار عنيد } إشارة إلى حاله مع الله يكفر بعد ويعاند آياته ، وقوله { مناع للخير معتد } إشارة إلى حاله مع رسول الله ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله { مريب } إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى : { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير } إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصا بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها ، والكفر كاف في إيراث الإلقاء في جهنم والأمر به ، فنقول قوله تعالى : { كل كفار عنيد } ليس المراد منه الوصف المميز ، كما يقال : أعط العالم الزاهد ، بل المراد الوصف المبين بكون الموصوف موصوفا به إما على سبيل المدح ، أو على سبيل الذم ، كما يقال : هذا حاتم السخي ، فقوله { كل كفار عنيد } يفيد أن الكفار عنيد ومناع ، فالكفار كافر ، لأن آيات الوحدانية ظاهرة ، ونعم الله تعالى على عبده وافرة ، وعنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يمنع ، ومريب لأنه شاك في الحشر ، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ} (25)

{ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } مبالغ في المنع للمال عن حقوقه المفروضة ، قال قتادة . ومجاهد . وعكرمة : يعني الزكاة ، وقيل : المراد بالخير الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان يقول لبني أخيه : من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بشيء ما عشت ، والمبالغة باعتبار كثرة بني أخره أو باعتبار تكرر منعه لهم .

وضعف بأنه لو كان المراد ذلك كان مقتضى الظاهر مناع عن الخير ، وفي «البحر » الأحسن عموم الخير في المال وغيره { مُعْتَدٍ } ظالم متخط للحق متجاوز له { مُرِيبٍ } شاك في الله تعالى ودينه ، وقيل : في البعث .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ} (25)

{ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } أي : يمنع الخير الذي عنده{[829]}  الذي أعظمه ، الإيمان بالله [ وملائكته ]{[830]}  وتبه ، ورسله مناع ، لنفع ماله وبدنه ، { مُعْتَدٍ } على عباد الله ، وعلى حدوده{[831]} { مُرِيبٍ } أي : شاك في وعد الله ووعيده ، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان ، والشك والريب ، والشح ، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن ، ولهذا قال :


[829]:- في ب: قبله.
[830]:- زيادة من هامش ب.
[831]:- في أ زيادة هنا هي (أثيم) أي كثير الإثم) ويبدو أن الشيخ سبق قلمه لآيات سورة القلم. وقد شطبت الزيادة من ب.