مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ} (17)

قوله تعالى : { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .

{ إذ } ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى ، وذلك لأن الملك إذا أقام كتابا على أمر اتكل عليهم ، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت يتكل عليهم ، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالا عليه ، فنقول : الله في وقت أخذ الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له ، فعندما يخفى عليهما شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم ، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد ، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم الحشر من القبور ، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ، يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي القيلين كان ، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور ، ويرجع إلى الملك الآخر مسرورا حيث لم يكن مسرورا ممن يأخذها هو ، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزونا حيث لم يكن ممن يأخذها هو ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { سائق وشهيد } فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة . وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم ، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراما له واجتنابا منه ، وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علنا به أكمل من علم الكاتب .

لكن من أجلس عنده أحدا ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضا خبيرا والملك الذي أجلس الرقيب يكون جبارا عظيما فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير ، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ} (17)

{ إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان } هما الملكان الموكلان بكل إنسان يكتبان أعماله ؛ والتلقى التلقن بالحفظ والكتبة ، و { إِذْ } قيل : ظرف لأقرب وأفعل التفضيل يعمل في الظروف لأنه يكفيها رائحة الفعل وإن لم يكن عاملاً في غيرها فاعلاً أو مفعولاً به أي هو سبحانه أعلم بحال الإنسان من كل قريب حين يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به ، وفيه إيذان بأنه عز وجل غني عن استحفاظ الملكين فإنه تعالى شأنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما لكن الحكمة اقتضته ، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائفهما يوم يقوم الاشهاد ، وعلم العبد بذلك مع عرمه بإحاطة الله تعالى بعمله من زيادة لطف في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات ، وجوز أن تكون { إِذْ } لتعليل القرب ، وفيه أن تعليل قربه عز وجل العلمي بإطلاع الحفظة الكتبة بعيد ، واختار بعضهم كونها مفعولاً به لا ذكر مقدراً لبقاء الأقربية على إطلاقها ولأن أفعل التفضيل ضعيف في العمل وإن كان لا مانع من عمله في الظرف ؛ والكلام مسوق لتقرير قدرته عز وجل وإحاطة علمه سبحانه وتعالى فتأمل { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، ومنه قوله :

رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريئاً ومن أجل الطوى رماني

وقال المبرد : إن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال فأخر قعيد عن موضعه ، والقعيد عليهما فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم ، وذهب الفراء إلى أن قعيداً يدل على الإثنين والجمع ، وقد أريد منه هنا الإثنان فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير . واعترض بأن فعيلاً يستوي فيه ذلك إذا كان بمعنى مفعول وهذا بمعنى فاعل ولا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على فعيل بمعنى مفعول ، واختلف في تعيين محل قعودهما فقيل : هما على الناجذين ، فقد أخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً «إن الله لطف بالملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما » ، وقيل : على العاتقين ، وقيل : على طرفي الجنك عند العنفقة وفي البحر أنهم اختلفوا في ذلك ولا يصح فيه شيء ، وأنا أقول أيضاً : لم يصح عندي أكثر مما أخبر الله تعالى به من أنهما عن اليمين وعن الشمال قعيدان ، وكذا لم يصح خبر قلمهما ومدادهما وأقول كما قال اللقاني بعد أن استظهر أن الكتب حقيقي : علم ذلك مفوض إلى الله عز وجل ، وأقول الظاهر أنهما في سائر أحوال الإنسان عن يمينه وعن شماله .

وأخرج ابن المنذر . وغيره عن ابن عباس أنه قال : إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وإن مشى فأحدهما إمامه والآخر خلفه وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ} (17)

وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال ، فيجلهم ويوقرهم ، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه ، مما لا يرضي رب العالمين ، ولهذا قال : { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } أي : يتلقيان عن العبد أعماله كلها ، واحد { عَنِ الْيَمِينِ } يكتب الحسنات { و } الآخر { عن الشِّمَالِ } يكتب السيئات ، وكل منهما { قَعِيدٌ } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له ، ملازم له{[825]} .


[825]:- في ب: لذلك.