مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} (44)

أما قوله تعالى : { فألقوا حبالهم وعصيهم } فروي عن ابن عباس أنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق فلما حميت اشتدت حركتها فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض فهاب موسى عليه السلام ذلك ، فقيل له ألق ما في يمينك ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم حتى أكلت الكل ثم أخذ موسى عصاه ، فإذا هي كما كانت فلما رأت السحرة ذلك قالت لفرعون كنا نساحر الناس فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي ، وكذلك إن غلبونا ولكن هذا حق فسجدوا وآمنوا برب العالمين .

واعلم أن في الآثار اختلافا فمنهم من كثر الحبال والعصي ، ومنهم من توسط ، والله أعلم بعدد ذلك ، والذي يدل القرآن عليه أنها كثيرة من حيث حشروا من كل بلد ، ولأن الأمر بلغ عند فرعون وقومه في العظم مبلغا يبعد أن يدخر عنه ما يمكن من جمع السحرة .

وأما قوله : { وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } فالمراد أنهم أظهروا ما يجري مجرى القطع على أنهم يغلبون ، وكل ذلك لما ظهر كان أقوى لأمر موسى عليه السلام .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} (44)

{ فَأَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ } أي وقد قالوا عند الالقاء { بِعِزَّةِ فِرْعَونَ } أي بقوته التي يمتنع بها من الضيم من قولهم . أرض عزاز أي صلبة { إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون } لا موسى عليه السلام ، والظاهر أن هذا قسم منهم بعزته عليه اللعنة على الغلبة وخصوها بالقسم هنا لمناسبتها للغلبة وقسمهم على ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر . وفي ذلك إرهاب لموسى عليه السلام بزعمهم ، وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة في قولهم { بِعِزَّةِ فِرْعَونَ } تعظيماً له ، وهذا القسم من نوع أقسام الجاهلية ، وقد سلك كثير من المسلمين في الإيمان ما هو أشنع من أيمانهم لا يرضون بالقسم بالله تعالى وصفاته عز وجل ولا يعتدون بذلك حتى يحلف أحدهم بنعمة السلطان أو برأسه أو برأس المحلف أو بلحيته أو بتراب قبر أبيه حفينئذ يستوثق منه ، ولهم أشياء يعظونها ويحلفون بها غير ذلك ، ولا يبعد أن يكون الحلف بالله تعالى كذباً أقل إثماً من الحلف بها صدقاً وهذا مما عمت به البلوى ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم ، وقال ابن عطية بعد أن ذكر أنه قسم : والأحرى أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذا كانوا يعبدونه كما تقول : إذا ابتدأت بشيء بسم الله تعالى وعلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك .