قوله تعالى : { وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون }
المسألة الأولى : قال المفسرون : إن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير ، فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض هذا خارج عن السحر ، بل هو أمر إلهي ، فاستدلوا به على أن موسى عليه السلام نبي صادق من عند الله تعالى ، قال المتكلمون : وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم ، وذلك لأن أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقفين على منتهاه ، فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر ، علموا أنه من المعجزات الإلهية ، لا من جنس التمويهات البشرية ولو أنهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال ، لأنهم كانوا يقولون : لعله أكمل منا في علم السحر ، فقدر على ما عجزنا عنه ، فثبت أنهم كانوا كاملين في علم السحر . فلأجل كمالهم في ذلك العلم انتقلوا من الكفر إلى الإيمان . فإذا كان حال علم السحر كذلك ، فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله تعالى : { وألقى السحرة ساجدين } قالوا : دلت هذه الآية على أن غيرهم ألقاهم ساجدين ، وما ذاك إلا الله رب العالمين فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى . قال مقاتل : ألقاهم الله تعالى ساجدين . وقالت المعتزلة : الجواب عنه من وجوه : الأول : أنهم لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين ؛ فصار كأن ملقيا ألقاهم . الثاني : قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين . الثالث : أنه ليس في الآية أنه ألقاهم ملق إلى السجود ، إلا أنا نقول : إن ذلك الملقي هو أنفسهم .
والجواب : أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى ، وإلا لافتقروا في خلق تلك الداعية الجازمة إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وهو محال . ثم إن أصل تلك القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل . وخالق ذلك الموجب هو الله تعالى فكان ذلك الفعل والأثر مسندا إلى الله تعالى ، والله أعلم .
{ وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً ، وجوز رجوع ضمير غلبوا { وانقلبوا } [ الأعراف : 119 ] على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضاً ، وتعقب بأنهم لا ذلة لهم ؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه ، والمراد من { ألقى * السحرة } الخ أنهم خروا ساجدين ، وعبر بذلك دونه تنبيهاً على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك فكأن أحداً دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه فالملقى هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه ، ويحتمل أن يكون الكلام جارياً مجرى التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش ، وجوزأن يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم ، يروى أن الاجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها فتحت فاها ثمانين ذراعاً فابتلعت متا صنعوا واحداً بعد واحد وقصدت الناس ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام العظام ، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجداً ، والمتبادر من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته ، وقيل : إن موسى وهرون عليهما السلام سجداً شكراً لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما وسجدوا معهما ، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.