ثم قال تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } وفيه مباحث لفظية ومعنوية . أما اللفظية ففيها مسائل :
المسألة الأولى : { يوم } منصوب بماذا ؟ نقول الظاهر أنه منصوب بما بعده وهو ما يدل عليه قوله تعالى : { هذه النار } تقديره يوم يدعون يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون ، ويحتمل غير هذا وهو أن يكون يوم بدلا عن يوم في يومئذ تقريره فويل يومئذ للمكذبين ويوم يوعدون أي المكذبون وذلك أن قوله { يومئذ } معناه يوم يقع العذاب وذلك اليوم هو { يوم يدعون } فيه إلى النار .
المسألة الثانية : قوله { يدعون إلى النار } يدل على هول نار جهنم ، لأن خزنتها لا يقربون منها وإنما يدفعون أهلها إليها من بعيد ويلقونهم فيها وهم لا يقربونها .
المسألة الثالثة : { دعا } مصدر ، وقد ذكرت فائدة ذكر المصادر وهي الإيذان بأن الدع دع معتبر يقال له دع ولا يقال فيه ليس بدع ، كما يقول القائل في الضرب الخفيف مستحقرا له : هذا ليس بضرب والعدو المهين : هذا ليس بعدو في غير المصادر ، والرجل الحقير ليس برجل إلا على قراءة من قرأ { يدعون إلى نار جهنم دعاء } فإن دعاء حينئذ يكون منصوبا على الحال تقديره يقال لهم هلموا إلى النار مدعوين إليها .
أما المعنوية فنقول قوله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم } يدل على أن خزنتها يقذفونهم فيها وهم بعداء عنها ، وقال تعالى : { يوم يسحبون في النار } نقول الجواب عنه من وجوه ( أحدها ) أن الملائكة يسحبونهم في النار ثم إذا قربوا من نار مخصوصة هي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون السحب في النار والدفع في نار أشد وأقوى ، ويدل عليه قوله تعالى : { يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون } أي يكون لهم سحب في حموة النار . ثم بعد ذلك يكون لهم إدخال ( الثاني ) جاز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة ، فإلى النار يدفعهم ملك وفي النار يسحبهم آخر .
الثالث : جاز أن يكون السحب بسلاسل يسحبون في النار والساحب خارج النار .
الرابع : يحتمل أن يكون الملائكة يدفعون أهل النار إلى النار إهانة واستخفافا بهم ، ثم يدخلون معهم النار ويسحبونهم فيها .
يُدَعّون : يدفعون دفعا عنيفا شديدا ، بأن تغلّ أيديهم إلى أعناقهم ، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ، ويدفعون إلى النار ويطرحون فيها .
-14 : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } .
يوم يدفعون إلى جهنم دفعا عنيفا ، بأن تغلّ أيديهم إلى أعناقهم ، وتُجمع نواصيهم إلى أقدامهم ، فيدفعون إلى النار دفعا على وجوههم .
{ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } .
أي : تقول لهم خزنة جهنم تقريعا وتوبيخا لهم على كفرهم وإنكارهم عذاب جهنم : هذه النار التي تشاهدونها هي التي كنتم تكذبون بها في الدنيا ، وتكذيبكم بها تكذيب للرسول وللوحي الناطق بها .
{ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } أي يدفعون دفعاً عنيفاً شديداً بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار ويطرحون فيها ، وقرأ زيد بن علي . والسلمي . وأبو رجاء { يَدَّعُونَ } بسكون الدار وفتح العين من الدعاء فيكون { دَعًّا } حالاً أي ينادون إليها مدعوعين و { يَوْمٍ } إما بدل من { يوم تَمُورُ } [ الطور : 9 ] أو ظرف لقول مقدر محكي به قوله تعالى :