قوله تعالى : { مسومة عند ربك للمسرفين } فيه وجوه : ( أحدها ) مكتوب على كل واحد اسم واحد يقتل به . ( ثانيها ) أنها خلقت باسمهم ولتعذيبهم بخلاف سائر الأحجار فإنها مخلوقة للانتفاع في الأبنية وغيرها . ( ثالثها ) مرسلة للمجرمين لأن الإرسال يقال في السوائم يقال أرسلها لترعى فيجوز أن يقول سومها بمعنى أرسلها وبهذا يفسر قوله تعالى : { والخيل المسومة } إشارة إلى الاستغناء عنها وأنها ليست للركوب ليكون أدل على الغنى ، كما قال : { والقناطير المقنطرة } وقوله تعالى : { للمسرفين } إشارة إلى خلاف ما يقول الطبيعيون إن الحجارة إذا أصابت واحدا من الناس فذلك نوع من الاتفاق فإنها تنزل بطبعها يتفق شخص لها فتصيبه فقوله : { مسومة } أي في أول ما خلق وأرسل إذا علم هذا فإنما كان ذلك على قصد إهلاك المسرفين ، فإن قيل : إذا كانت الحجارة مسومة للمسرفين فكيف قالوا : { إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم } مع أن المسرف غير المجرم في اللغة ؟ نقول : المجرم هو الآتي بالذنب العظيم لأن الجرم فيه دلالة على العظم ومنه جرم الشيء لعظمة مقداره ، والمسرف هو الآتي بالكبيرة ، ومن أسرف ولو في الصغائر يصير مجرما لأن الصغير إلى الصغير إذا انضم صار كبيرا ، ومن أجرم فقد أسرف لأنه أتى بالكبيرة ولو دفعة واحدة فالوصفان اجتمعا فيهم . لكن فيه لطيفة معنوية ، وهي أن الله تعالى سومها للمسرف المصر الذي لا يترك الجرم والعلم بالأمور المستقبلة عند الله تعالى ، يعلم أنهم مسرفون فأمر الملائكة بإرسالها عليهم ، وأما الملائكة فعلمهم تعلق بالحاضر وهم كانوا مجرمون فقالوا : { إنا أرسلنا إلى قوم } نعلمهم { مجرمين } لنرسل عليهم حجارة خلقت لمن لا يؤمن ويصر ويسرف ولزم من هذا علمنا بأنهم لو عاشوا سنين لتمادوا في الإجرام ، فإن قيل اللام لتعريف الجنس أو لتعريف العهد ؟ نقول لتعريف العهد أي مسومة لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة ، فإن قيل ما إسرافهم ؟ نقول ما دل عليه قوله تعالى : { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي لم يبلغ مبلغكم أحد .
( لنرسل عليهم حجارة من طين ، مسومة عند ربك للمسرفين ) . .
وهذه الحجارة الطينية المعلمة أو المعدة المجهزة عند الله للمسرفين المتجاوزين الحق - وقوم لوط كانوا مسرفين في تجاوزهم للفطرة والحق والدين - لا يمتنع أن تكون حجارة بركان ثائر يقذف بالحمم الطيني من جوف الأرض .
فهي ( عند ربك )بهذا الاعتبار مسلطة - وفق إرادته ونواميسه - على من يريد من المسرفين . مقدرة بزمانها ومكانها وفق علمه وتدبيره القديم . وأن يتولى إرسالها - في إطار إرادته ونواميسه - ملائكته . وهل ندري نحن حقيقة ملائكته ? وهل ندري حقيقة علاقتهم بهذا الكون ومن فيه وما فيه ? وهل ندري حقيقة القوى الكونية التي نسميها من عندنا أسماء بحسب ظواهرها التي تتكشف لنا بين الحين والحين ? وما لنا نعترض على خبر الله لنا أنه سلط بعض هذه القوى في وقت ما ، لترسل بعض هذه القوى في صورة ما ، على قوم ما ، في أرض ما ، ما لنا نعترض على خبر الله لنا ، ونحن ما نزال كل ذخيرتنا من المعرفة فروض ونظريات وتأويلات لظواهر تلك القوى . أما حقيقتها فهي عنا بعيدة ? ! فلتكن حجارة بركانية أو لتكن حجارة أخرى فهذه كتلك في يد الله ، ومن صنعه ، وسرها غيب عنده يكشفه حين يشاء !
{ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } أي : معلمة ، على كل حجر منها سمة صاحبه{[850]} لأنهم أسرفوا ، وتجاوزوا الحد ، فجعل إبراهيم يجادلهم في قوم لوط ، لعل الله يدفع عنهم العذاب ، فقال الله :
{ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.