مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ} (61)

وأما قوله : { لمثل هذا فليعمل العاملون } فقيل إنه من بقية كلامهم ، وقيل إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لطلب مثل هذه السعادات يجب أن يعمل العاملون .

المسألة الثانية : قال بعضهم المراد من هذا القائل ومن قرينه ما ذكره الله تعالى في سورة الكهف ( 32 ) في قوله : { واضرب لهم مثلا رجلين } إلى آخر الآيات ، وروي أن رجلين كانا شريكين فحصل لهما ثمانية آلاف دينار فقال أحدهما للآخر أقاسمك فقاسمه واشترى دارا بألف دينارا فأراها صاحبه وقال : كيف ترى حسنها فقال : ما أحسنها فخرج وقال : اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ، ثم إن صاحبه تزوج بامرأة حسناء بألف دينار فتصدق هذا بألف دينار لأجل أن يزوجه الله من الحور العين ، ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار فتصدق هذا بألفي دينار ، ثم إن الله أعطاه في الجنة ما طلب فعند هذا قال : { إني كان لي قرين } إلى قوله : { فاطلع فرآه في سواء الجحيم } .

المسألة الثالثة : قوله : { أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة قرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير ممدودة والثالثة بكسر الألف من غير استفهام ، ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وقرأ ابن عامر الأولى والثالثة بالاستفهام بهمزتين والثانية بكسر الألف من غير استفهام ، وقرأ الباقون بالاستفهام في جميعها ، ثم اختلفوا فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة خفيفة ، وأبو عمرو مطولة ، وعاصم وحمزة بهمزتين .

وأما قوله : { إن كدت لتردين } قرأ نافع برواية ورش لترديني بإثبات الياء في الوصل والباقون بحذفها .

المسألة الرابع : احتج أصحابنا على أن الهدى والضلال من الله تعالى بقوله تعالى : { ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين } وقالوا : مذهب الخصم أن كل ما فعله الله تعالى من وجوه الإنعام في حق المؤمن فقد فعله في حق الكافر ، وإذا كان ذلك الإنعام مشتركا فيه امتنع أن يكون سببا لحصول الهداية للمؤمن . وأن يكون سببا لخلاصه من الكفر والردى فوجب أن تكون تلك النعمة المخصوصة أمرا زائدا على تلك الإنعامات التي حصل الاشتراك فيها ، وما ذلك إلا بقوة الداعي إلى الإيمان وتكميل الصارف عن الكفر .

المسألة الخامسة : احتج نفاة عذاب القبر بقول الرجل الذي من أهل الجنة { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى } فهذا يدل على أن الإنسان لا يموت إلا مرة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلا مرتين والجواب : أن قوله : { إلا موتتنا الأولى } المراد منه كل ما وقع في الدنيا ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ} (61)

وهنا يرد تعليق يوقظ القلوب ويوجهها إلى العمل والتسابق لمثل هذا المصير :

( لمثل هذا )النعيم الذي لا يدركه فوت ، ولا يخشى عليه من نفاد ، ولا يعقبه موت ، ولا يتهدده العذاب . لمثل هذا فليعمل العاملون . . فهذا هو الذي يستحق الاحتفال . وما عداه مما ينفق فيه الناس أعمارهم على الأرض زهيد زهيد حين يقاس إلى هذا الخلود .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ} (61)

50

61- { لمثل هذا فليعمل العاملون } .

أي : هذا هو المثل الأعلى ، والجائزة الكبرى ، التي تستحق أن يجتهد من أجلها أهل الدنيا ، فيسهروا ليلهم ، وينشطوا في نهارهم ، ويجتهدوا في حياتهم لجائزة كبيرة تستحق هذا التعب ، وهي الجنة ، أما العمل للدنيا وحدها ، فجزاؤه محدود ، ونهايته فناء لا خلود .

قال قتادة : هذا من كلام أهل الجنة .

وقال ابن جرير : هو من كلام الله تعالى ، ومعناه : لمثل هذا النعيم وهذا الفوز ، فليعمل العاملون في الدنيا ، ليصيروا إليه في الآخرة {[548]} .

أخرج ابن أبي حاتم ، وابن ماجة في كتاب الزهد من سننه ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا هل مشمر إلى الجنة ، فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور كلّها يتلألأ ، وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام في أبد في دار سلامة ، وفاكهة خضرة ، وخير ونعمة ، في محلة عالية بهية " ، قالوا : نعم يا رسول الله ، نحن المشمِّرون لها ، قال صلى الله عليه وسلم : " قولوا إن شاء الله " ، فقال القوم : إن شاء الله {[549]} .

وكان أحد المسلمين في غزو الروم يقول :

حبذا الجنة واقترابها طيب وبارد شرابها

والروم روم قد دنا ضرابها عليّ إن لقيتها قتالها .


[548]:مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 3/181.
[549]:أورده ابن كثير في تفسيره، عند تفسير الآية 56 من سورة يس: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الآرائك متكئون} (يس: 55، 56).