مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ} (8)

قوله تعالى : { إن إلى ربك الرجعى } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان .

المسألة الثانية : { الرجعى } المرجع والرجوع وهي بأجمعها مصادر ، يقال : رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعى على وزن فعلى ، وفي معنى الآية وجهان : ( أحدهما ) أنه يرى ثواب طاعته وعقاب تمرده وتكبره وطغيانه ، ونظيره قوله : { ولا تحسبن الله غافلا } إلى قوله : { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } وهذه الموعظة لا تؤثر إلا في قلب من له قدم صدق ، أما الجاهل فيغضب ولا يعتقد إلا الفرح العاجل ( والقول الثاني ) : أنه تعالى يرده ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت ، كما رده من النقصان إلى الكمال ، حيث نقله من الجمادية إلى الحياة ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الذل إلى العز ، فما هذا التعزز والقوة .

المسألة الثالثة : روي أن أبا جهل قال للرسول عليه الصلاة والسلام : أتزعم أن من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى ، فندع ديننا ونتبع دينك ، فنزل جبريل وقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم مثل ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ} (8)

وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى ، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف : ( إن إلى ربك الرجعى )فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى ?

وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني . قاعدة الرجعة إلى الله . الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر ، وفي كل نية ، وفي كل حركة ، فليس هناك مرجع سواه . إليه يرجع الصالح والطالح . والطائع والعاصي . والمحق والمبطل . والخير والشرير . والغني والفقير . . وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى . ألا إلى الله تصير الأمور . . ومنه النشأة وإليه المصير . .

وهكذا تجتمع في المقطعين أطراف التصور الإيماني . . الخلق والنشأة . والتكريم والتعليم . . ثم . . الرجعة والمآب لله وحده بلا شريك : ( إن إلى ربك الرجعى ) . .