مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (87)

قوله تعالى : { فلولا إن كنتم غير مدينين ، ترجعونها إن كنتم صادقين } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أكثر المفسرين على أن ( لولا ) في المرة الثانية مكررة وهي بعينها هي التي قال تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } ولها جواب واحد ، وتقديره على ما قاله الزمخشري : فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم ، أي إن كنتم غير مدينين ، وقال بعضهم : هو كقوله تعالى : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } حيث جعل فلا خوف جزاء شرطين ، والظاهر خلاف ما قالوا ، وهو أن يقال : جواب لولا في قوله : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } هو ما يدل عليه ما سبق يعني تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم ( فلولا تكذبون ) وقت النزع وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأمور وتشاهدونها ، وأما لولا في المرة الثانية فجوابها : { ترجعونها } .

المسألة الثانية : في { مدينين } أقوال منهم من قال : المراد مملوكين ، ومنهم من قال : مجزيين ، وقال الزمخشري : من دانه السلطان إذا ساسه ، ويحتمل أن يقال : المراد غير مقيمين من مدن إذا أقام ، هو حينئذ فعيل ، ومنه المدينة ، وجمعها مدائن ، من غير إظهار الياء ، ولو كانت مفعلة لكان جمعها مداين كمعايش بإثبات الياء ، ووجهه أن يقال : كان قوم ينكرون العذاب الدائم ، وقوم ينكرون العذاب ومن اعترف به كان ينكر دوامه ، ومثله قوله تعالى : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } . قيل : إن كنتم على ما تقولون لا تبقون في العذاب الدائم فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة ، وأما على قوله : ( مجزيين ) فالتفسير مثل هذا كأنه قال : ستصدقون وقت النزع رسل الله في الحشر ، فإن كنتم بعد ذلك غير مجزيين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دنياكم ، فإن التعويق للجزاء لا غير ، ولولا الجزاء لكنتم مختارين كما كنت في دنياكم التي ليست دار الجزاء مختارين تكونون حيث تريدون من الأماكن ، وأما على قولنا : مملوكين من الملك ، ومنه المدينة للملوكة ، فالأمر أظهر بمعنى أنكم إذا كنتم لستم تحت قدرة أحد ، فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا كما كنتم في دنياكم التي ليست دار جزاء مع أن ذلك مشتهى أنفسكم ومنى قلوبكم ، وكل ذلك عند التحقيق راجع إلى كلام واحد ، وأنهم كانوا يأخذون بقول الفلاسفة في بعض الأشياء دون بعض ، وكانوا يقولون بالطبائع ، وأن الأمطار من السحب ، وهي متولدة بأسباب فلكية ، والنبات كذلك ، والحيوان كذلك ، ولا اختيار لله في شيء وسواء عليه إنكار الرسل والحشر ، فقال تعالى : إن كان الأمر كما يقولون فما بال الطبيعي الذي يدعى العلم لا يقدر على أن يرجع النفس من الحلقوم ، مع أن في الطبع عنده إمكانا لذلك ، فإن عندهم البقاء بالغداء وزوال الأمراض بالدواء ، وإذا علم هذا فإن قلنا : { غير مدينين } معناه غير مملوكين رجع إلى قولهم من إنكار الاختيار وقلب الأمور كما يشاء الله ، وإن قلنا : غير مقيمين فكذلك ، لأن إنكار الحشر بناء على القول بالطبع ، وإن قلنا : غير محاسبين ومجزيين فكذلك ، ثم لما بين أن الموت كائن والحشر بعده لازم ، بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثا للمكلف على العمل الصالح ، وزاجرا للمتمرد عن العصيان والكذب فقال : { فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة نعيم } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (87)

75

المفردات :

المنخرين . وفتحتا الأذنين ، وفتحة الحنجرة ، وهي مجرى الطعام والشراب والنّفس .

غير مدينين : غير مربوبين مقهورين .

التفسير :

86-87- { فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .

تقيم الآيات الأدلة على عجز المخلوق ، وقدرة الخالق ، أي : إذا أنكرتم ألوهية الله وقدرته على البعث والحشر ، والحساب والجزاء ، فأمامكم دليل عملي : حين تبلغ الروح الحلقوم ، وأنتم تشاهدون أقرب الناس إليكم يعالج سكرات الموت ، وأنتم عاجزون تماما عن إعادته إلى الدنيا .

هلا أيقنتم أن الذي يفعل ذلك ، ويقدر على الموت والحياة إله واحد ، وهو القائل في كتابه : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور } . ( الملك : 1-2 ) .

وخلاصة المعنى :

هلاّ إن كنتم غير خاضعين لقدرتنا ترجعون روح الميت إلى جسده إن كنتم صادقين في اعتقادكم بأنه لا بعث ولا حساب ، أو في توهمكم بأن هناك قوة أخرى غير الله ، يمكنها أن تساعدكم في الشدائد والمحن .

وهكذا نجد الآيات تتحدّى الكافرين ، بل البشر أجمعين أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم ، وهم واقفون حوله وقفة الحائر المستسلم العاجز عن فعل أي شيء من شأنه أن يدفع الموت ، أو يؤخر خروج الروح ولو لزمن قليل .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (87)

{ تَرْجِعُونَهَا } أي الروح إلى مقرها والقائلون بالتجرد يقولون أي ترجعون تعلقها كما كان أولاً .

{ إِن كُنتُمْ صادقين } في اعتقادكم عدم خالقيته تعالى فإن عدم تصديقهم بخالقيته سبحانه لهم عبارة عن تصديقهم بعدمها على مذهبهم ، وفي «البحر » وغيره إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي والمميت المبدئ المعيد ونسبتكم إنزال المطر إلى الأنواء دونه عز وجل ، وترجعون المذكور هو العامل بإذا الظرفية في { إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } [ الواقعة : 83 ] وهو المحضض عليه بلولا الأولى ، و { لَوْلاَ } الثانية تكرير للتأكيد ، و { لَوْلاَ } الأولى مع ما في حيزها دليل جواب الشرط الأول أعني { إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } [ الواقعة : 86 ] والشرط الثاني مؤكد للأول مبين له ، وقدم أحد الشرطين على { تَرْجِعُونَهَا } للاهتمام والتقدير فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين صادقين فيما تزعمونه من الاعتقاد الباطل فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم وحاصل المعنى أنكم إن كنتم غير مربوبين كما تقتضيه أقوالكم وأفعالكم فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت الحلقوم وتردونها كما كانت بقدرتكم أو بواسطة علاج للطبيعة ، وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } [ الواقعة : 84 ] جملة حالية من فاعل { بَلَغَتِ } [ الواقعة : 83 ] والاسمية المقترنة بالواو لا تحتاج في الربط للضمير لكفاية الواو فلا حاجة إلى القول بأن العائد ما تضمنه حينئذٍ لأن التنوين عوض عن جملة أي فلولا ترجعونها زمان بلوغها الحلقوم حال نظركم إليه وما يقاسيه من هول النزع مع تعطفكم عليه وتوفركم على إنجائه من المهالك ، وقوله سبحانه : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ } [ الواقعة : 85 ] الخ اعتراض يؤكد ما سيق له الكلام من توبيخهم على صدور ما يدل على سوء اعتقادهم بربهم سبحانه منهم ، وفي جواز جعله حالاً مقال .

وقال أبو البقاء : { تَرْجِعُونَهَا } جواب { لَوْلاَ } الأولى ، وأغني ذلك عن جواب الثانية ، وقيل : عكس ذلك .

وقيل : { إِن كُنتُمْ } شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في التقدير أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مربوبين فارجعوا الأرواح إلى الأبدان .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (87)

شرح الكلمات :

{ ترجعونها إن كنتم صادقين } : أي ترجعون الروح إلى الجسم بعد وشوك مفارقتها له إن كنتم صادقين في أنكم لا تبعثون ولا تحاسبون .

/د86