{ فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي أجزية أعمالهم السيئة على طريقة اطلاق اسم السبب على المسبب إيذاناً بفظاعته ، وقيل : الكلام على حذف المضاف .
وتعقب بأنه يوهم أن لهم أعمالاً غير سيئة والتزم ومثل ذلك بنحو صلة الأرحام ، ولا يخفى أن المعنى ليس على التخصيص ، والداعي إلى ارتكاب أحد الأمرين أن الكلام بظاهره يدل على أن ما أصابهم سيئة ، وليس بها .
وقد يستغني عن ارتكاب ذلك لما ذكر بأن ما يدل عليه الظاهر من باب المشاكلة كما في قوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] كما في الكشاف { وَحَاقَ بِهِم } أي أحاط بهم ، وأصل معنى الحيق الإحاطة مطلقاً ثم خص في الاستعمال باحاطة الشر ، فلا يقال : أحاطت به النعمة بل النقمة . وهذا أبلغ وأفظع من أصابهم { مَّا كَانُوا بِهِ } أي من العذاب كام قيل على أن دما } موصولة عبارة عن العذاب ، وليس في الكلام حذف ولا ارتكاب مجاز على نحو ما مر آنفاً ، وقيل : { مَا } مصدرية وضمير { بِهِ } للرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يذكر ، والمراد أحاط بهم جزاء استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم أو موصولة عامة للرسول عليه الصلاة والسلام وغيره وضمير { بِهِ } عائد عليها والمعنى على الجزاء أيضاً ، ولا يخفى ما فيه ، وأيا ماً كان { *فبه } متعلق بيستهزؤون قدم للفاصلة ، هذا ثم ان قوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ } [ النحل : 33 ] الخ على ما في الكشف رجوع إلى عد ما هم فيه من العناد والاستشراء في الفساد وأنهم لا يقلعون عن ذلك كأسلافهم الغابرين إلى يوم التناد ، وما وقع من أحوال اضدادهم في البين كان لزيادة التحسير والتبكيت والتخسير ، وفيه دلالة على أن الحجة قد تمت وأنه صلى الله عليه وسلم أدى ما عليه من البلاغ المبين ، وقوله تعالى : { فَأَصَابَهُمْ } عطف على { فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } [ النحل : 33 ] مترتب إذ المعنى كذلك التكذيب والشرك فعل أسلافهم وأصابهم ما أصابهم ، وفيه تحذير مما فعله هؤلاء وتذكير لقوله سبحانه : { قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ } [ النحل : 26 ] ولا يخفى حسن الترتب على ذلك لأن التكذيب والشرك تسبباً لإصابة السيئات لمن قبلهم ، وقوله سبحانه : { وَمَا ظَلَمَهُمْ * الله } [ النحل : 33 ] اعتراض واقع حاق موقعه ، وجعل ذلك راجعاً إلى المفهوم من قوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ } [ النحل : 33 ] أي كذلك كان من قبلهم مكذبين لزمتهم الحجة منتظرين فأصابهم ما كانوا منتظرين سديد حسن إلا أن معتمد الكلام الأول وهو أقرب مأخذاً ، ودلالة { فعلَ } عليه أظهر ، فهذه فذلكة ضمنت محصل ما قابلوا به تلك النعم والبصائر وأدمج فيها تسليته صلى الله عليه وسلم والبشرى بقلب الدائرة على من تربص به وبأصحابه عليه الصلاة والسلام الدوائر وختمت بما يدل على أنهم انقطعوا فاحتجوا بآخر ما يحتج به المحجوج يتقلب عليه فلا يبصر إلا وهو مثلوج مشجوج وهو ما تضمنه قوله تعالى :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فأصابهم سيئات}، يعني: عذاب {ما عملوا}، يعني: في الدنيا،
{وحاق بهم}، يعني: ودار بهم العذاب، {ما كانوا به}، بالعذاب،
{يستهزئون} بأنه غير نازل بهم في الدنيا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمم الماضية فعل هؤلاء المشركين من قريش سيئات ما عملوا يعني عقوبات ذنوبهم ونقم معاصيه التي اكتسبوها.
"وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" يقول: وحلّ بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه ويسخرون عند إنذارهم ذلك رُسل الله، ونزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيمان بالله.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{وحاق} معناه نزل وأحاط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر من الكلام، تقديره جزاء {ما كانوا به يستهزئون}.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{فَأَصَابَهُمْ} عطف على قوله تعالى: {فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} وما بينهما اعتراضٌ لبيان أن فعلَهم على ذلك ظلمٌ لأنفسهم {سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي أجزيةُ أعمالِهم السيئة على طريقة تسمية المسبَّب باسم سببِه إيذاناً لفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم أعمالاً غيرَ سيئاتهم {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم من الحَيق الذي هو إحاطةُ الشر، وهو أبلغ من الإصابة وأفظع...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وما قسا عليهم في عقوبة، إنما قست عليهم سيئات أعمالهم، لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها: (فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون).. ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية. وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية. وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون، فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين، والعذاب الأليم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إصابة السيئات إما بتقدير مضاف، أي أصابهم جزاؤها، أو جعلت أعمالهم السيئة كأنها هي التي أصابتهم لأنها سبب ما أصابهم.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
...وإن السيئات تترادف يجئ بعضها تلو بعض، حتى تتراكم فيظلم القلب وحينئذ تفسد كل أسباب الإدراك وتكون قلوبهم غلفا، ويتوالى منهم الفساد، فيكون ذلك سببا في أن ينزل بهم عذاب الله، ويكونون ظالمين لأنفسهم.
وقوله تعالى: {سيئات ما عملوا} فيه إشارة إلى أن الله لا يأخذهم إلا بالسيئات، وهي ما يسوء في ذات من الأفعال، وما يسوء الناس، وما يصدهم عن الحق المبين. {وحاق بهم}، أي أحاط بقلوبهم عملهم الشيء، حتى أصبحوا لا يدورون إلا في فلكه...
{ما كانوا به يستهزءون}...ويصح أن نقول إن المراد، أن يحيط بهم الاستهزاء نفسه تقريعا ولوما، وإشعارا لهم بأنهم المستهزئون المحقرون، ومن كانوا موضع استهزائهم السخيف هم الأكرمون عند الله.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فقد أقدموا على الكفر، بعد أن قامت عليهم الحجة على الإيمان، ومارسوا المعصية بعد أن عرّفهم الله المصير الأسود الذي ينتظرهم من خلالها، وكانوا يملكون القدرة على الاستقامة في خط الإيمان وخط الطاعة، فانحرفوا من موقع إرادةٍ واختيار، لا من موقع ضغطٍ وقهر، {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} في ما تلتقي به المقدّمات بالنتائج..
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.