{ وإن يكذبوك } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصيغة المضارع في الشرط مع تحقق التكذيب لما أن المقصود تسليته عليه الصلاة والسلام عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع أو للإشارة إلى أنه مما لا ينبغي تحققه وإلحاق { كَذَّبَت } تاء التأنيث لأن الفاعل وهو { قَوْمٌ } اسم جمع يحوز تذكيره وتأنيثه ولا حاجة لتأويله بالأمة أو القبيلة كما فعل أبو حيان ومن تبعه ، وفي اختيار التأنيث حط لقدر المكذبين ومفعول كذب محذوف لكمال ظهور المراد .
وجوز أن يكون الفعل منزلاً منزلة اللازم أي فعلت التكذيب واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم لاشتهارهم بهذا الاسم الأخصر والأصل في التعبير العلم فلذا لم يقل قوم صالح وقوم هود ولا علم لغير هؤلاء ، ولم يقل وقوم شعيب قيل لأن قومه المكذبين له عليه السلام هم هؤلاء دون أهل الأيكة لأنهم وإن أرسل عليه السلام إليهم فكذبوه أجنبيون ، وتكذيب هؤلاء أيضاً أسبق وأشد ، والتخصيص لأن التسلية للنبي عليه الصلاة والسلام عن تكذيب قومه أي وإن يكذبك قومك فاعلم أنك لست بأوحدى في ذلك فقد كذبت قبل تكذيب قومك إياك قوم نوح الخ { وَكُذّبَ موسى } المكذب له عليه السلام هم القبط وليسوا قومه بل قومه عليه السلام بنو إسرائيل ولم يكذبوه بإسرهم ولم يكذبوه بأسرهم ومن كذبه منهم تاب إلا اليسير وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب ألا ترى أن تصديق اليسير من المذكورين قبل عد كلا تصديق ولهذا لم يقل وقوم موسى كما قيل : { قَوْمُ نُوحٍ وَقَوْمِ إبراهيم } وأما أنه لم يقل والقبط بل أعيد الفعل مبنياً للمفعول فللإيذان بأن تكذيبهم له عليه الصلاة والسلام في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح { فَأمْلَيْتُ للكافرين } أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم . والفاء لترتيب إمهال كل فريق من فرق المكذبين على تكذيب ذلك الفريق لا لترتيب إمهال الكل على تكذيب الكل . ووضع الظاهر موضع المضمر العائد على المكذبين لذمهم بالكفر والتصريح بمكذبي موسى عليه السلام حيث لم يذكروا فيما قبل تصريحاً { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } أي أخذت كل فريق من فريق المكذبين بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله . والأخذ كناية عن الإهلاك { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري عليهم بتغيير ما هم عليه من الحياة والنعمة وعمارة البلاد وتبديله لضده فهو مصدر من نكرت عليه إذا فعلت فعلاً يردعه بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار . وياء الضمير المضاف إليها محذوفة للفاصلة وأثبتها بعض القراء ، والاستفهام للتعجب كأنه قيل فما أشد ما كان إنكاري عليهم ، وفي الجملة إرهاب لقريش
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضّا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الاَجال.:فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ" يعني مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. "وكُذّبَ مُوسَى" فقيل: وكذب موسى ولم يقل: «وقوم موسى»، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة...
وقوله: "فَأمْلَيْتُ للْكافِرِينَ" يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب. ثُمّ أخَذْتُهُمْ يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء، "فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ" يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]
هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية، أي كان قبلك أنبياء كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وقوم إبراهيم} المتجبرون المتكبرون {وقوم لوط} الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]
فهي سنة مطردة في الرسالات كلها، قبل الرسالة الأخيرة، أن يجيء الرسل بالآيات فيكذب بها المكذبون. فليس الرسول [صلى الله عليه وسلم] بدعا من الرسل حين يكذبه المشركون. والعاقبة معروفة، والسنة مطردة.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]
واتجه الخطاب بعد ذلك إلى الرسول والمؤمنين، باستخلاص العبرة مما جرى للأنبياء والرسل السابقين، والتحذير مما أصاب أقوامهم من الهلاك والعذاب بين الحين والحين، تثبيتا لرسوله على الحق، وإنذارا للمصرين على الباطل من الخلق.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.