روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} (46)

{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض } حث لهم على السفر للنظر والاعتبار بمصارع الهالكين هذا إن كانوا لم يسافروا وإن كانوا سافروا فهو حث على النظر والاعتبار ، وذكر المسير لتوقفه عليه ، وجوز أن يكون الاستفهام للإنكار أو التقرير ، وأياً ما كان فالعطف على مقدر يقتضيه المقام ، وقوله تعالى : { فَتَكُونَ لَهُمْ } منصوب في جواب الاستفهام عند ابن عطية . وفي جواب التقرير عند الحوفي وفي جواب النفي عند بعض ، ومذهب البصريين أن النصب بإضمار أن وينسبك منها ومن الفعل مصدر يعطف على مصدر متوهم . ومذهب الكوفيين أنه منصوب على الصرف إذ معنى الكلام الخبر صرفوه عن الجزم على العطف على { يَسِيرُواْ } وردوه إلى أخي الجزم وهو النصب وهو كما ترى . ومذهب الجرمي أن النصب بالفاء نفسها .

وقرأ مبشر بن عبيد { فَيَكُونُ } بالياء التحيتية { قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } أي يعلمون بها ما يجب أن يعلم من التوحيد فمفعول { يَعْقِلُونَ } محذوف لدلالة المقام عليه ، وكذا يقال في قوله تعالى : { أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي يسمعون بها ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف منهم بحالهم { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ضمير { فَإِنَّهَا } للقصة فهو مفسر بالجملة بعده ، ويجوز في مثله التذكير باعتبار الشأن ، وعلى ذلك قراءة عبد الله { فَإِنَّهُ } وحسن التأنيث هنا وقوع ما فيه تأنيث بعده ، وقيل : يجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بالإبصار ، وكان الأصل فإنها الابصار لا تعمى على أن جملة { لاَ تَعْمَى } من الفعل والفاعل المستتر خبر بعد خبر فلما ترك الخبر الأول أقيم الظاهر مقام الضمير لعدم ما يرجع إليه ظاهراً فصار فاعلاً مفسراً للضمير . واعترضه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن الضمير المفسر بمفرد بعده محصور في أمور وهي باب رب وباب نعم وبئس وباب الأعمال وباب البدل وباب المبتدأ والخبر وما هنا ليس منها . ورد بأنه من باب المبتدأ والخبر نحو { إِنْ هي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } [ الانعام : 29 ] ولا يضره دخول الناسخ ، وفيه نظر ، والمعنى أنه لا يعتد بعمى الأبصار وإنما يعتد بعمى القلوب فكأن عمى الأبصار ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب ، فالكلام تذييل لتهويل ما بهم من عدم فقه القلب وأنه العمى الذي لا عمى بعده بل لا عمى إلا هو أو المعنى إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم فكأنه قيل : أفلم يسيروا فتكون لهم قلوب ذات بصائر فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم وهي الآفة التي كل آفة دونها كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعي عليهم تقاعدهم عنها ، ووصف القلوب بالتي في الصدور على ما قال الزجاج للتأكيد كما في قوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم } [ آل عمران : 167 ] وقولك : نظرت بعيني .

وقال الزمخشري : قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة ومثل فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك وهو في حكم قولك : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً .

وهذه الآية على ما قيل نزلت في ابن أم مكتوم حين سمع قوله تعالى : { وَمَن كَانَ في هذه أعمى فَهُوَ في الاخرة أعمى } [ الإسراء : 72 ] فقال : يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى ؟ وربما يرجح بهذه الرواية إن صحت المعنى الأول إذ حصول الجواب بالآية عليه ظاهر جداً فكأنه قيل له : أنت لا تدخل تحت عموم { وَمَن كَانَ } الخ لأن عمى الأبصار في الدنيا ليس بعمى في الحقيقة في جنب عمى القلوب والذي يدخل تحت عموم ذلك من اتصف بعمى القلب ، وهذا يكفي في الجواب سواء كان معنى قوله تعالى : { وَمَن كَانَ في هذه أعمى فَهُوَ في الآخرة أعمى } ومن كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة كذلك أو ومن كان في الدنيا أعمى للقلب فهو في الآخرة أعمى البصر لأنه فيها تبلى السرائر فيظهر عمى القلب بصورة عمى البصر ، نعم في صحة الرواية نظر .

وفي «الدر المنثور » أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية : ذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة يعني ابن أم مكتوم ، ولا يخفى حكم الخبر إذا روى هكذا . واستدل بقوله تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } الخ على استحباب السياحة في الأرض وتطلب الآثار .

وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب التفكر عن مالك بن دينار قال : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن التخذ نعلين من حديد وعصا ثم سح في الأرض فاطلب الآثار والعبر حتى تحفى النعلان وتنكسر العصا ، وبقوله تعالى : { فَتَكُونُ } الخ على أن محل العقل القلب لا الرأس ، قاله الجلال السيوطي في أحكام القرآن العظيم .

وقال الإمام الرازي : في الآية دلالة على أن العقل هو العلم وعلى أن محله هو القلب ، وأنت تعلم أن كون العقل هو العلم هو اختيار أبي إسحق الاسفرائيني واستدل عليه بأنه يقال لمن عقل شيئاً علمه ولمن علم شيئاً عقله ، وعلى تقدير التغاير لا يقال ذلك وهو غير سديد لأنه إن أريد بالعلم كل علم يلزم منه أن لا يكون عاقلاً من فاته بعض العلوم مع كونه محصلاً لما عداه وإن أريد بعض العلوم فالتعريف غير حاصل لعدم التمييز وما ذكر من الاستدلال غير صحيح لجواز أن يكون العلم مغايراً للعقل وهما متلازمان .

وقال الأشعري : لا فرق بين العقل والعلم إلا في العموم والخصوص والعلم أعم من العقل فالعقل إذاً علم مخصوص فقيل : هو العلم الصارف عن القبيح الداعي إلى الحسن وهو قول الجبائي ، وقيل : هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين وهو قول لبعض المعتزلة أيضاً ولهم أقوال أخر ، والذي اختاره القاضي أبو بكر أنه بعض العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات وأن الموجود لا يخرج عن أن يكون قديماً أو حادثاً ونحو ذلك . واحتج إمام الحرمين على صحة ذلك وإبطال ما عداه بما ذكره الآمدي في ابكار الأفكار بما له وعليه . واختار المحاسبي عليه الرحمة أنه غزيرة يتوصل بها إلى المعرفة ، ورد بأنه إن أراد بالغريزة العلم لزمه ما لزم القائل بأنه العلم وإن أراد بها غير العلم فقد لا يسلم وجود أمر وراء العلم يتوصل به إلى المعرفة .

وقال صاحب القاموس بعد نقل عدة أقوال في العقل : والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، ولعنا نحقق ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، ثم ان في محلية القلب للعلم خلافاً بين العقلاء فالمشهور عن الفلاسفة أن محل العلم المتعلق بالكليات والجزئيات المجردة النفس الناطقة ومحل العلم المتعلق بالجزئيات المادية قوى جسمانية قائمة بأجزاء خاصة من البدن وهي منقسمة إلى خمس ظاهرة وخمس باطنة وتسمى الأولى الحواس الظاهرة والثانية الحواس الباطنة وأمر كل مشهور .

وزعم بعض متفلسفة المتأخرين أن المدرك للكليات والجزئيات إنما هو النفس والقوى مطلقاً غير مدركة بل آلة في إدراك النفس وذهب إليه بعض منا . وفي أباكر الأفكار بعد نقل قولي الفلاسفة وأما أصحابنا فالبنية المخصوصة غير مشترطة عندهم بل كل جزء من أجزاء بدن الإنسان إذا قام به إدراك وعلم فهو مدرك عالم ، وكون ذلك هما يقوم بالقلب أو غيره مما لا يجب عقلا ولا يمتنع لكن دل الشرع على القيام بالقلب لقوله تعالى : { إِنَّ في ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } [ ق : 37 ] وقوله سبحانه : { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } وقوله عز وجل { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ محمد : 24 ] انتهى ، ولا يخفى أن الاستدلال بما ذكر على محلية القلب للعلم لا يخلو عن شيء ، نعم لا ينكر دلالة الآيات على أن للقلب الإنساني لما أودع فيه مدخلاً تاماً في الإدراك ، والوجدان يشهد بمدخلية ما أودع في الدماغ في ذلك أيضاً ، ومن هنا لا أرى للقول بأن لأحدهما مدخلاً دون الآخر وجهاً ، وكون الإنسان قد يضرب على رأسه فيذهب عقله لا يدل على أن لما أودع في الدماغ لا غير مدخلاً في العلم كما لا يخفى على من له قلب سليم وذهن مستقيم فتأمل .

ومن باب الإشارة : { فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [ الحج : 46 ] فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين المنكرين فإن قلوبهم عمى عن رؤية أنوار أهل الله تعالى فإن لهم أنواراً لا ترى إلا بعين القلب وبهذه العين تدرك حقائق الملك ودقائق الملكوت ، وفي الحديث : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى »

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} (46)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أفلم يسيروا في الأرض} يقول: فلو ساروا في الأرض فتفكروا {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} المواعظ {أو ءاذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أفلم يسيروا هؤلاء المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبي رسل الله الذين خلوْا من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكرّوا فيها ويعتبروا بها، ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنةَ الله فيمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله، فينيبوا من عتوّهم وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ "قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها "حجج الله على خلقه وقدرته على ما بيّنا، "أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا" يقول: أو آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل. وقوله: "فإنّها لا تَعْمَى الأبْصارُ" يقول: فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها، بل يبصرون ذلك بأبصارهم، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن أنصار الحقّ ومعرفته. والهاء في قوله: "فإنّها لا تَعْمَى" هاء عماد... وقيل: "وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصّدُورِ" والقلوب لا تكون إلا في الصدور، توكيدا للكلام، كما قيل: "يَقُولُون بأفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ".

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{أفلم يسروا في الأرض}: هلا ساروا في الأرض؟ {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} فينظروا ليعرفوا ما حل بأولئك بالتكذيب، فيمتنعوا عنه {أو آذان يسمعون بها} أي: أفلم يسروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؟ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم وإما بالسماع من الأخبار...

ويحتمل أن يكون قوله: {أفلم يسروا في الأرض} أي قد ساروا في الأرض لكن لم تكن لهم قلوب وعقول أو أفهام يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يسمعون بها ما حل بهم، أي كانت لهم عقول، يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السماع، لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

هذا يدل على أمرين: على أن العقل علم، ويدل على أن محله القلب...

{يَعْقِلُونَ بِهَا} وجهان: أحدهما: يعلمون بها، لأن الأعين تبصر والقلوب تصبر.

{أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي يفقهون بها ما سمعوه من أخبار القرون السالفة...

{فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدورِ} يحتمل عندي وجهين: أحدهما: أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى ولكن تعمى القلوب عن الاهتداء. والثاني: فإنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار ولكن تعمى القلوب عن الادّكار...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

لما اخبر الله تعالى عن إهلاك الأمم الماضية جزاء على كفرهم ومعاصيهم، نبه الذين يرتابون بذلك. فقال "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها "إذا شاهدوا آثار ما أخبرنا به، وسمعوا صحة ما ذكرناه عمن أخبرهم بصحته من الذين عرفوا أخبار الماضين. وفيها دلالة على أن العقل هو العلم، لأن معنى "يعقلون بها" يعلمون بها مدلول ما يرون من العبرة. وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لأنه تعالى وصفها بأنها هي التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها لما وصفها بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك...

والمعنى في الآية أن الأبصار وإن كانت عميا، فلا تكون في الحقيقة كذلك إذا كان عارفا بالحق، وإنما يكون العمى عمى القلب الذي يجحد معه معرفة الله ووحدانيته...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

"ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" معناه: أن العمى الضار هو عمى القلوب، وأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، ومن المعروف في كلام الناس: ليس الأعمى من عمي بصره، وإنما الأعمى من عميت بصيرته...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ثم وبخهم على الغفلة وترك الاعتبار بقوله، {أفلم يسيروا في الأرض} أي في البلاد فينظروا في أحوال الأمم المكذبة المعذبة، وهذه الآية تقتضي أن العقل في القلب وذلك هو الحق ولا ينكر أن للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار؛ لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع البتة، ولو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه،...

{أفلم يسيروا في الأرض} هل يدل على الأمر بالسفر؟ الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا، فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي ليس الخللُ في مشاعرِهم وإنَّما هو في عقولِهم باتِّباع الهَوَى والانهماكِ في الغَفْلةِ.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يعرض السياق هذه المشاهد ثم يسأل في استنكار عن آثارها في نفوس المشركين الكفار:... إن مصارع الغابرين حيالهم شاخصة موحية، تتحدث بالعبر، وتنطق بالعظات...

(فتكون لهم قلوب يعقلون بها) فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل. (أو آذان يسمعون بها) فتسمع أحاديث الأحياء عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والتعجيب متعلّق بمن سافروا منهم ورأوا شيئاً من تلك القرى المهلكة وبمن لم يسافروا، فإن شأن المسافرين أن يخبروا القاعدين بعجائب ما شاهدوه في أسفارهم كما يشير إليه قوله تعالى: {أو آذان يسمعون بها}. فالمقصود بالتعجيب هو حال الذين ساروا في الأرض، ولكن جعل الاستفهام داخلاً على نفي السير لأن سير السائرين منهم لما لم يفدهم عبرة وذكرى جُعل كالعدم، فكانَ التعجيب من انتفائه، فالكلام جارٍ على خلاف مقتضى الظاهر...

وهذا شأن الأسفار أن تفيد المسافر ما لا تفيده الإقامة في الأوطان من اطلاع على أحوال الأقوام وخصائص البلدان واختلاف العادات، فهي تفيد كل ذي همّة في شيء فوائدَ تزيد هِمتَه نفاذاً فيما تتوجه إليه وأعظم ذلك فوائد العبرة بأسباب النجاح والخسارة...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الاْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} لأن العقل يتغذى من الملاحظات الدقيقة التي تكوّنها آثار التجارب التي عاشها الآخرون، وممّا يمكن أن يستخلصه منها من نتيجة حاسمة على صعيد حركة الإيمان بالله في الحياة، فإن الله خلق للإنسان العقل ليحركه في دراسة الأشياء واستنتاج الأفكار منها، لا ليجمّده في أجواء الغفلة، أو في ما يرضي الذات.. {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} في ما يستمعون إليه من آيات الله التي يتلوها عليهم الأنبياء، أو من المواعظ البليغة التي يقدّمها الوعّاظ مما ينفعهم ولا يضرّهم، أو من النصائح التي يقدمها إليهم الناصحون مما يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة... ولكن مشكلة هؤلاء أنهم يعيشون العمى في حياتهم، فيتخبطون في أفكارهم ومواقفهم، ويفقدون الرؤية الواضحة للأشياء، وليس هذا العمى ناشئاً من فقدان النور في عيونهم، فهم يملكون عيوناً حادّة البصر، ولكنه عمى القلب الذي يغلق فيه الإنسان بجهله وعناده كل نوافذ المعرفة التي تطل به على الله... ولهذا جاءت الآية لتؤكد هذه الحقيقة: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}...

إن هذه اللفتة توحي بأن للعقل مركزاً حيوياً في معرفة الإسلام، باعتباره القوّة الحقيقية التي تخطّط للحياة من موقع الثبات والتوازن والعمق والانفتاح.. وأن المجتمع العاقل هو المجتمع الذي ينفتح على الإيمان بالله من أقرب طريق، ويتحرك في الحياة من موقع المسؤولية...

وإن هذه اللفتة القرآنية في تأكيدها على دور العقل، تفرض على القائمين على شؤون الإسلام في الدعوة والواقع العمل على التخطيط لحركةٍ عقليةٍ نشيطةٍ داخل الشخصية الإسلامية...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تحدّثت الآيات السابقة عن الأقوام الظالمة التي عاقبها الله على ما إقترفت أيديهم فدمّر أحياءهم، وأكّدت الآية الأُولى هذه القضيّة فقالت: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها). أجل، تحدّثنا عن خرائب قصور الظلمة، ومنازل الجبابرة المهدّمة، وعبدة الدنيا، فلكلّ واحد منها ألف لسان يحكي لنا بسكونه المسيطر عليه ما حدث في زواياه من ظلم وفسق وجور، ويحدّثنا عن ألف حادثة وحادثة. إنّ هذه الخرائب كتب ناطقة تتحدّث عن ماضي هؤلاء الأقوام، ونتائج أعمالهم وسلوكهم في الحياة، وعن أعمالهم المشؤومة، وأخيراً عن العقاب الذي صبّه الله عليهم!... ومع أنّ أصل التاريخ يعيد نفسه، فانّ هذه الآثار تجسّد للإنسان مستقبله أمام عينيه...

ولإيضاح حقيقة هذا الكلام بشكل أفضل قال القرآن المجيد: (فإنّها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور). إنّ الذين يفقدون بصرهم لا يفقدون بصيرتهم، بل تراهم أحياناً أكثر وعياً من الآخرين. أمّا العمي فهم الذين تعمى قلوبهم، فلا يدركون الحقيقة أبداً!... أحد معاني القلب هو العقل، ومن معاني الصدر ذات الإنسان...

وممّا يلفت النظر أنّ الآية المذكورة أعلاه نسبت سبل إدراك الإنسان إلى القلب (العقل) والأذنين، إشارةً إلى أنّه لا سبيل ثالث لإدراك الأشياء والحقائق. فإمّا أن يتفاعل مع الحدث في أعماق روحه ويسعى لتحليل المسائل بنفسه فيصل إلى النتيجة المتوخّاة، وإمّا أن يسمع النصيحة من المشفقين الهداة وأنبياء الله وأهل الحقّ، أو يصل إلى الحقائق عن طريق هذين السبيلين.