روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (47)

{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } الضمير لقريش كان صلى الله عليه وسلم يحذرهم عذاب الله تعالى ويوعدهم مجيئه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار ويطلبون مجيئه استهزاء وتعجيزاً له صلى الله عليه وسلم فانكر عليهم ذلك ، فالجملة خبر لفظاً واستفهام وإنشاء معنى ، وقوله تعالى : { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } جملة حالية جيء بها لبيان بطلان إنكارهم العذاب في ضمن استعجالهم به كأنه قيل : كيف تنكرون مجيء العذاب الموعود والحال أنه تعالى لا يخلف وعده ، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئة أو اعتراضية لما ذكر أيضاً ، وقوله تعالى : { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } جملة مستأنفة إن كانت الأولى حالية ومعطوفة عليها إن كانت اعتراضية سيقت لتحقيق إنكار الاستعجال وبيان خطئهم فيه ببيان كمال سعة ساحة حلمه تعالى وإظهار غاية ضيق عطنهم المستتبع لكون المدة القصيرة عنده تعالى مدداً طوالاً عندهم حسبما ينطق به قوله تعالى : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } [ المعارج : 6 ، 7 ] ولذا يرون مجيئه بعيداً ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره ويجترؤون على الاستعجال به ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها وقوعاً وأخباراً ما عنده من المقدار . وقراءة الأخوين . وابن كثير { يَعْدُونَ } على صيغة الغيبة أي يعده المستعجلون أوفق لهذا المعنى ، وقد جعل الخطاب في قراءة الجمهور لهم أيضاً بطريق الالتفات لكن الظاهر أنه للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وقيل : المراد بوعده تعالى ما جعل لهلاك كل أمة من موعد معين وأجل مسمى كما في قوله تعالى : { يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ العذاب } [ العنكبوت : 53 ] فتكون الجملة الأولى مطلقاً مبينة لبطلان الاستعجال به ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود ، والجملة الأخيرة بيان لبطلانه ببيان ابتنائه على استطالة ما هو قصير عنده تعالى على الوجه المار بيانه ، وحينئذ لا يكون في النظم الكريم تعرض لإنكارهم مجيئه الذي دسوه تحت الاستعجال ، ويكتفي في رد ذلك ببيان عاقبة من قبلهم من أمثالهم ، وأياً ما كان فالعذاب المستعجل به العذاب الدنيوي وهو الذي يقتضيه السباق والسياق . وقيل : المراد بالعذاب العذاب الأخروي والمراد باليوم المذكور يوم ذلك العذاب واستطالته لشدته فإن أيام الترحة مستطالة وأيام الفرحة مستقصرة كما قيل :

تمتع بأيام السرور فإنها *** قصار وأيام الهموم طوال

وعلى ذلك جاء قوله :

ليلى وليلى نفي نومي اختلافهما *** بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا

يجود بالطول ليلى كلما بخلت *** بالطول ليلى وأن جادت به بخلا

فيكون قد رد عليهم إنكار مجيء العذاب بالجملة الأولى وأنكر عليهم الاستعجال به وإن كان ذلك على وجه الاستهزاء بالجملة الثانية فكأنه قيل : كيف تنكرون مجيئه وقد سبق به الوعد ولن يخلف الله تعالى وعده فلا بد من مجيئه حتماً وكيف تستعجلون به واليوم الواحد من أيامه لشدته يرى كألف سنة مما تعدون ، ويقال نحو ذلك على القول بأن المراد باليوم أحد أيام الآخرة فإنها اعتبرت طوالاً أو أنها تستطال لشدة عذابها .

واعترض بأن ذلك مما لا يساعده السباق ولا السياق ، وقال الفراء : تضمنت الآية عذاب الدنيا والآخرة وأريد بالعذاب المستعجل به عذاب الدنيا أي لن يخلف الله تعالى وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا وإن يوماً من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا ، ولا يخلو عن حسن إلا أن فيه بعدا كما لا يخفى .

واستدل المعتزلة بقوله تعالى : { لَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } على أن الله سبحانه لا يغفر للعصاة لأن الوعد فيه بمعنى الوعيد وقد أخبر سبحانه أنه لا يخلفه والمغفرة تستلزم الخلف المستلزم للكذب المحال عليه تعالى .

وأجاب أهل السنة بأن وعيدات سائر العصاة إنشاءات أو اخبارات عن استحقاقهم ما أوعدوا به لا عن إيقاعه أو هي إخبارات عن إيقاعه مشروطة بعدم العفو وترك التصريح بالشرط بزيادة الترعيب ولا كذلك وعيدات الكفار فإنها محض اخبارات عن الإيقاع غير مشروطة بشرط أصلاً كمواعيد المؤمنين ، والداعي للتفرقة الجمع بين الآيات ، وأنت تعلم أن ظاهر هذا أن وعيدات الكفار بالعذاب الدنيوي كوعيداتهم بالعذاب الأخروي لا يتطرقها عدم الوقوع فلا يجوز العفو عن عذابهم مطلقاً متى وعد به ، وعندي في التسوية بين الأمرين تردد ، ويعلم من ذلك حال هذا الجواب على تقدير حمل العذاب في الآية على العذاب الدنيوي الأوفق للمقام والوعد على الوعد به . وأجاب بعضهم هنا بأن المراد بالوعد وعده تعالى بالنظرة والإمهال وهو مقابل للوعيد في نظر الممهل ولا خلاف في أن الله تعالى لا يخلف الوعد المقابل للوعيد وأن ما يؤدي به خبر محض لا شرط فيه ؛ وقيل : المراد به وعده تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب المستعجل به عليهم وذلك مقابل للوعيد من حيث أن فيه خيراً له عليه الصلاة والسلام ، ولا مانع من أن يكون شيء واحد خيراً وشراً بالنسبة إلى شخصين فقد قيل :

مصائب قوم عند قوم فوائد *** وحينئذ لا دليل للمعتزلة في الآية على دعواهم .

ومن باب الإشارة : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } [ الحج : 47 ] قد تقدم الكلام في اليوم وانقسامه فتذكر

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (47)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بما تَعِدهم من عذاب الله على شركهم به وتكذيبهم إياك فيما أتيتهم به من عند الله في الدنيا، ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا، ففعل ذلك، ووفى لهم بما وعدهم، فقتلهم يوم بدر.

واختلف أهل التأويل في اليوم الذي قال جلّ ثناؤه:"وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ" أيّ يوم هو؟

فقال بعضهم: هو من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض... وقال آخرون: بل هو من أيام الآخرة... وقد اختلف في وجه صرف الكلام من الخبر عن استعجال الذين استعجلوا العذاب إلى الخبر عن طول اليوم عند الله؛

فقال بعضهم: إن القوم استعجلوا العذاب في الدنيا، فأنزل الله: "وَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ "في أن ينزل ما وعدهم من العذاب في الدنيا، وإن يوما عند ربك من عذابهم في الدنيا والآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا.

وقال آخرون: قيل ذلك كذلك إعلاما من الله مستعجليه العذاب أنه لا يعجل، ولكنه يُمْهل إلى أجل أجّله، وأن البطيء عندهم قريب عنده، فقال لهم: مقدار اليوم عندي ألف سنة مما تعدّونه أنتم أيها القوم من أيامكم، وهو عندكم بطيء وهو عندي قريب.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يوما من الثقل وما يخاف كألف سنة.

والقول الثاني عندي أشبه بالحقّ في ذلك، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن استعجال المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب، ثم أخبر عن مبلغ قدر اليوم عنده، ثم أتبع ذلك قوله: "وكأيّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالِمَةٌ" فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالمة وتركه معاجلتهم بالعذاب، فبين بذلك أنه عنى بقوله: "وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ" نفي العجلة عن نفسه ووصفها بالأناة والانتظار. وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويل الكلام: وإن يوما من الأيام التي عند الله يوم القيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، وليس ذلك عنده ببعيد، وهو عندكم بعيد، فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدّته.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

أي لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي ينزل بهم لا يتقدم، ولا يتأخر عن ميعاده.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

وقال أهل المعاني: معنى الآية: وإنّ يوماً عند ربّك من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدّة كألف سنة ممّا تعدون فكيف تستعجلوه؟ وهذا كما يقال: أيام الهموم طوال وأيام السرور قصار...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذ لا استعجالَ له في الأمور؛ فسواء عنده يوم واحد وألف سنة؛ إذ مَنْ لا يَجْرِي عليه الزمانُ وهو يُجْرِي الزمانَ فَسَوَاء عليه وجودُ الزمانِ، وعدم الزمان وقِلة الزمانِ وكَثْرَةُ الزمانِ...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

والله عزّ وعلا لا يخلف الميعاد، وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال أنّ يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وعد ووعيد وإخبار بأن كل شيء إلى وقت محدود... {كألف سنة} مما تعدون من هذه لطول العذاب وبؤسه، فكأن المعنى فما أجهل من يستعجل هذا... ومنه قول ابن عباس: مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة، فكأن المعنى وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال: {ويستعجلونك بالعذاب} وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم... {ولن يخلف الله وعده} لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف، ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: {وإن يوما عند ربك} يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته {كألف سنة} لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} أي: الذي قد وَعَد، من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا، وقدم أنه يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم، مقيداً بالوهم، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها، وختم بإنكار عماهم عن ظاهر الآيات البينات، قال عاطفاً على {ومن الناس من يجادل} معجباً منهم وموضحاً لعماهم: {ويستعجلونك} ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالاً من فاعل {يسيروا} فيكون مما أنكر عليهم {بالعذاب} الذي تتوعدهم به تكذيباً واستهزاء، {و} الحال أنه {لن يخلف الله} الذي لا كفوء له {وعده} فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن قصير عنده، وقد ينجز الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر، لأن قضاءه سبق أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده {وإن يوماً} أي واحداً {عند ربك} أي المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراماً لك {كألف سنة} ولما كان المقصود هنا التطويل، فعبر بالسنة تنبيهاً عليه؛ ولما كانت السنون قد تختلف قال: {مما تعدون} لأن أيامكم تناسب أوهامكم، وأزمانكم تناسب شأنكم، وهو حليم لا يستطيل الزمان، وقادر لا يخاف الفوت.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

أعلم أن الله لا يفوته شيء، وإن يوماً عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أي: يستعجلك هؤلاء المكذبون بالعذاب، لجهلهم، وظلمهم، وعنادهم، وتعجيزا لله، وتكذيبا لرسله، ولن يخلف الله وعده، فما وعدهم به من العذاب، لابد من وقوعه، ولا يمنعهم منه مانع، وأما عجلته، والمبادرة فيه، فليس ذلك إليك يا محمد، ولا يستفزنك عجلتهم وتعجيزهم إيانا. فإن أمامهم يوم القيامة، الذي يجمع فيه أولهم وآخرهم، ويجازون بأعمالهم، ويقع بهم العذاب الدائم الأليم... ولهذا قال: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} من طوله، وشدته، وهو له، فسواء أصابهم عذاب في الدنيا، أم تأخر عنهم العذاب، فإن هذا اليوم، لا بد أن يدركهم. ويحتمل أن المراد: أن الله حليم، ولو استعجلوا العذاب، فإن يوما عنده كألف سنة مما تعدون، فالمدة، وإن تطاولتموها، واستبطأتم فيها نزول العذاب، فإن الله يمهل المدد الطويلة ولا يهمل، حتى إذا أخذ الظالمين بعذابه لم يفلتهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولكنهم بدلا من التأمل في تلك المصارع، والجنوح إلى الإيمان، والتقوى من العذاب.. راحوا يستعجلون بالعذاب الذي أخره الله عنهم إلى أجل معلوم... وذلك دأب الظالمين في كل حين. يرون مصارع الظالمين، ويقرأون أخبارهم ويعلمون مصائرهم. ثم إذا هم يسلكون طريقهم غير ناظرين إلى نهاية الطريق! فإذا ذكروا بما نال أسلافهم استبعدوا أن يصيبهم ما أصابهم.. ثم يطغى بهم الغرور والاستهتار إذا أملى لهم الله على سبيل الاختبار. فإذا هم يسخرون ممن يخوفهم ذلك المصير. وإذا هم -من السخرية- يستعجلون ما يوعدون! (ولن يخلف الله وعده) فهو آت في موعده الذي أراده الله وقدره وفق حكمته...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فإن من تكذيبهم أنهم كذبوا بالوعيد وقالوا: لو كان محمد صادقاً في وعيده لعُجّل لنا وعيده، فكانوا يسألونه التعجيل بنزول العذاب استهزاء...

وحُكي {ويستعجلونك} بصيغة المضارع للإشارة إلى تكريرهم ذلك تجديداً منهم للاستهزاء وتوركاً على المسلمين...

ولما كان استعجالهم إياه تعريضاً منهم بأنهم موقنون بأنه غير واقع أعقب بقوله: {ولن يخلف الله وعده}، أي فالعذاب الموعود لهم واقع لا محالة لأنه وعدٌ من الله والله لا يخلف وعده. وفيه تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لئلا يستبطئونه.

{وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} عطف على جملة {ولن يخلف الله وعده}، فإن الله توعدهم بالعذاب وهو صادق على عذاب الدنيا والآخرة وهم إنما استعجلوا عذاب الدنيا تهكماً وكناية عن إيقانهم بعدم وقوعه بلازم واحد، وإيماء إلى عدم وقوع عذاب الآخرة بِلازمين، فَردّ الله عليهم رداً عاماً بقوله: {ولن يخلف الله وعده}، وكان ذلك تثبيتاً للمؤمنين، ثم أعقبه بإنذارهم بأن عذاب الآخرة لا يفلتون منه أيضاً وهو أشدّ العذاب...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وإن هذا التحدي منشؤه غفلة في نفوسهم وعقولهم، إذ حسبوا أنه لن يجيئ، على حسب زعمهم، فأكده الله تعالى بقوله: {ولن يخلف الله وعده}، فهو جاء لا محالة. وكل ما يأتي واقع وقريب مهما يكن تمادى الزمان، وإن الزمان قريب أو بطيئ، هو بالنسبة للعباد، أما عند الله فإنه لا تحكمه الأزمان والأماكن، {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}، لأن أزمان أهل الدنيا، أعراض لأحوالهم، أما الزمن عند الله فهو غير مقدور ولا معدود، ولذا قال تعالى: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} فلا تستطيعوا أن تقدروا زمنا لما يعدكم به، فلا يقال لكم هو مائة أو مائتان، ولكن هو محكوم بإرادته وتقديره سبحانه، وهذا تصوير لإمهال الله في تقديره، وهو العظيم الحكيم العلي القدير، وتقديره سبحانه، اليوم عند الله تعالى بألف سنة مما نعده بالأيام والليالي، إشارة إلى أنه لا يعد وهو فوق تقديركم، والعرب ما كانوا يعرفون إلا الألف ومضاعفاته عدا، روى أن أعرابيا أعطاه الخليفة ألف دينار، فذكر ذلك لبعض صحبه، فقال له: لو طلبت أكثر لأعطاك، فقال الأعرابي: ما كنت أعرف فوق الألف عددا، فذكر الألف تقديره بأكبر عدد تعرفه، أو إطلاق للعدد، فالمعنى أنه ليس لكم أن تتصورا سنين معدودة، بل إن وعد الله بالعذاب سيجيئكم لا محالة، ولا تتحدوا رسوله، وإنهم يرونه بعيدا، ونحن نراه قريبا.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ثم يقول الحق سبحانه: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}: ألم يقولوا في استعجال العذاب: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32)} [الأنفال]. وقالوا: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70)} [الأعراف]. ولا يستعجل الإنسان العذاب إلا إذا كان غير مؤمن به، المؤمن بالعذاب- حقيقة- يخاف منه، ويريد أن يبطئ عنه أو أن ينجو منه. والمعنى: {ويستعجلونك بالعذاب} أنهم يظنون أنه إن توعدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لتوه. لذلك، الحق سبحانه يصحح لهم هذا الفهم، فيقول: {ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}: فلا تتعجلوا توعدكم به، فهو واقع بكم لا محالة، لأنه وعد من الله، والله لا يخلف وعده، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ليس كيومكم، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة، أما عند الله فهو كألف سنة من حسابكم أنتم للأيام. واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث، ولا يسع أكثر مما قدر أن يفعل فيه من الأحداث، أما اليوم عند الله- عز وجل- فيسع أحداثا كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم، ذلك لأنكم تزاولون الأعمال وتعالجونها، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، ففعلك يحتاج إلى وقت، أما فعل ربك فبكلمة كن. وقد شاء الحق سبحانه أن يعيش هؤلاء في عذاب التفكير في هذا الوعيد طوال عمرهم، فيعذبون به قبل حدوثه. إذن: لا تظن أن العذاب الذي توعدكم به سيحدث اليوم أو غدا، لا، لأن حساب الوقت مختلف... وفي موضع آخر يقول تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5)} [السجدة]. وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4)} [المعارج]. لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة معطل، فأنتم من هول ما ترون تستطيلون القصير، ويمر عليكم الوقت ثقيلا، لذلك تتمنون الانصراف ولو إلى النار. كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل، ويمر عليه الوقت كأنه لمح البصر، ومن ذلك ما تلاحظه من قصر الوقت مع الأحبة وطوله مع الأعداء ومن لا يهواه قلبك...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} يا محمد {بِالْعَذَابِ} بطريقة لا تخلو من التحدي والاستفزاز، وربما تقترب من الاستهزاء، لأنهم لا يرونه قادراً على ذلك، وأن الوعيد الذي يخاطبهم به من خلال آيات القرآن ليس جدّياً، مما يدفعهم إلى الامتداد في الشرك والإصرار عليه، ولكن الله يواجههم بالحقيقة القرآنية الإلهية، وهي أنَّ هذه الأساليب الاستعجالية الاستفزازية لا تغيّر من الموقف شيئاً، فإن الله قد جعل لكل شيءٍ أجلاً لا يتجاوزه، على قاعدة الحكمة في تقدير الأشياء.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وترسم الآية الثّانية موضع البحث صورة أُخرى لجهل الأغبياء وعديمي الإيمان فتقول: (ويستعجلونك بالعذاب) فردّ عليهم ألاّ تعجلوا (ولن يخلف الله وعده). و «العجول» هو من يخشى فوات الفرصة من يده، وإنتهاء إمكاناتها. أمّا الله القادر على كلّ شيء منذ الأزل، فلا حاجة له بالعجلة، فهو قادر دوماً على الوفاء بما وعد، فلا فرق عنده بين الساعة واليوم والسنة: (وإنّ يوماً عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون). وسواء أكان حقّاً أم باطلا تكرارهم القول: لماذا لم ينزل الله علينا البلاء، فليعلموا أنّ العذاب يترقّبهم وسينزل عليهم قريباً. فإن أمهلهم الله، فإنّ ذلك ليعيدوا النظر في أعمالهم، وسيغلق باب التوبة بعد نزول العذاب ولا سبيل للنجاة حينذاك.