روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ} (5)

{ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } وصف لهم بالعفة وهو وإن استدعاه وصفهم بالإعراض عن اللغو إلا أنه جيء به اعتناء بشأنه ، ويجوز أن يقال : إن ما تقدم وإن استدعى وصفهم بأصل العفة لكن جيء بهذا لما فيه من الإيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا يخفى وأنهم حافظون لها عن استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كمال العفة ، واللام للتقوية كما مر في نظيره ، و { على } متعلق يحافظون لتضمينه معنى ممسكون على ما اختاره أبو حيان والإمساك يتعدى بعلى كما في قوله تعالى : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [ الأحزاب : 37 ] وذهب جمع إلى اعتبار معنى النفي المفهوم من الإمساك ليصح التفريغ فكأنه قيل حافظون فروجهم لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم ، وقال بعضهم : لا يلزم ذلك لصحة العموم هنا فيصح التفريغ في الإيجاب . وفي «الكشف » الوجه أن يقال : ما في الآية من قبيل حفظت على الصبي ماله إذا ضبطه مقصوراً عليه لا يتعداه ، والأصل حافظون فروجهم على الأزواج لا تتعداهن ثم قيل غير حافظين إلا على الأزواج تأكيداً على تأكيد ، وعلى هذا تضمين معنى النفي الذي ذكره الزمخشري من السياق واستدعاء الاستثناء المفرغ ذلك ولم يؤخذ مما في الحفظ من معنى المنع والإمساك لأن حرف الاستعلاء يمنعه انتهى وفيه ما فيه .

ويا ليت شعري كيف عد حرف الاستعلاء مانعاً عن ذلك مع أن كون الإمساك مما يتعدى به أمر شائع ، وقال الفراء . وتبعن ابن مالك . وغيره : إن { على } هنا بمعنى من أي إلا من أزواجهم كما أن من بمعنى على في قوله تعالى : { ونصرناه مِنَ القوم } [ الأنبياء : 77 ] أي على القوم ، وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ضمير { حافظون } والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم من قولك : كان فلان على فلانة فمات عنها ، ومنه قولهم : فلانة تحت فلان ولذا سميت المرأة فراشاً أو متعلقة بمحذوف يدل علي { غَيْرُ مَلُومِينَ } كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه ، وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشري .

واعترض بأنهما متكلفان ظاهراً فيهما العجمة ، وأورد على الأخير أن إثبات اللوم لهم في أثناء المدح غير مناسب مع أنه لا يختص بهم ، وكون ذلك على فرض عصيانهم وهو مثل قوله تعالى : { فَمَنِ ابتغى } [ المؤمنون : 7 ] الخ لا يدفعه كما توهم ؛ ولا يجوز أن تتعلق بملومين المذكور بعد لما قال أبو البقاء من أن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله .

والمراد مما ملكت أيمانهم السريات ، والتخصيص بذلك للإجماع على عدم حل وطء المملوك الذكر ، والتعبير عنهم بما على القول باختصاصها بغير العقلاء لأنهن يشبهن السلع بيعاً وشراءً أو لأنهن لأنوثتهن المنبئة عن قلة عقولهن جاريات مجرى غير العقلاء ، وهذا ظاهر فيما إذا كن من الجركس أو الروم أو نحوهم فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان فلعمري إنهن حينئذٍ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد ، والآية خاصة بالرجال فإن التسري للنساء لا يجوز بالإجماع ، وعن قتادة قال تسرت امرأة غلاماً فذكرت لعمر رضي الله تعالى عنه فسألها ما حملك على هذا ؟ فقالت : كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين فاستشار عمر فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله تعالى على غير تأويله فقال رضي الله تعالى عنه : لا جرم لا أحلك لحر بعده أبداً كأنه عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها وأمر العبد أن لا يقربها ، ولو كانت المرأة متزوجة بعبد فملكته فاعتقته حالة الملك انفسخ النكاح عند فقهاء الأمصار .

وقال النخعي . والشعبي . وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة : يبقيان على نكاحهما { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تعليل لما يفيده الاستثناء من عدم حفظ فروجهم من المذكورات أي فإنهم غير ملومين على ترك حفظها منهن .

وقيل الفاء في جواب شرط مقدر أي فإن بذلوا فروجهم لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك ، والمراد بيان جنس ما يحل وطؤه في الجملة وإلا فقد قالوا : يحرم وطء الحائض والأمة إذا زوجت والمظاهر منها حتى يكفر وهذا مجمع عليه .

وفي الجمع بين الاختين من ملك اليمين وبين المملوكة وعمتها أو خالتها خلاف على ما في «البحر » ، وذكر الآمدي في الأحكام أن علياً كرم الله تعالى وجهه احتج على جواز الجمع بين الاختين في الملك بقوله تعالى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } .

/خ5

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ} (5)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والذين هم لفروجهم حافظون} عن الفواحش.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"وَالّدِينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حافِظُونَ إلاّ عَلى أزْوَاجِهِمْ" يقول: والذين هم لفروج أنفسهم، وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. "حَافِظُونَ "يحفظونها من إعمالها في شيء من الفروج.

"إلاّ عَلى أزْوَاجِهمْ" يقول: إلاّ من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. "أوْ ما مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ" يعني بذلك: إماءهم، و «ما» التي في قوله: "أوْ ما مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ" في محلّ خفض عطفا على الأزواج.

"فإنّهُمْ غيرُ مَلُومِينَ" يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبّخ على ذلك ولا مذموم ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.

جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :

عن ابن أبي مليكة، أن عائشة كانت إذا سئلت عن المتعة، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله- عز وجل-: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، قالت: فمن ابتغى غير ما زوجه الله أو ما ملكه، فقد عدا.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لفروجِهم حافظون ابتغاءَ نَسْل يقوم بحقِّ اللَّهِ، ويقال ذلك إذا كان مقصودُه التعففَ والتصاونَ عن مخالفاتِ الإثم...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

لا تصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن التفكر، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها...

[بداية الهداية ضمن المجموعة رقم 5 ص: 67].

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

الفرج: اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج: التعفف عن الحرام...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة، وأن حبسه عن ذلك تلفة، أتبعه الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة، وحفظه طهرة. فقال: {والذين هم لفروجهم} في الجماع وما داناه بالظاهر والباطن {حافظون} أي دائماً لا يتبعونها شهوتها، بل هم قائمون عليها يذلونها ويضبطونها، وذكرها بعد اللغو الداعي إليها وبذل المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة. ووقاية النفس والأسرة والمجتمع. بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال، وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال؛ وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب، ومن فساد البيوت فيها والأنساب. والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد. لأنه لا أمن فيها للبيت، ولا حرمة فيها للأسرة. والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة، إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه الطفولة وتدرج؛ ولا بد له من الأمن والاستقرار والطهارة، ليصلح محضنا ومدرجا، وليعيش فيه الوالدان مطمئنا كلاهما للآخر، وهما يرعيان ذلك المحضن. ومن فيه من فراخ! والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية، فالمقياس الذي لا يخطى ء للارتقاء البشري هو تحكم الإرادة الإنسانية وغلبتها...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

الوصف الرابع: العفة والمحافظة على النسل، وهذا ما عبر الله تعالى عنه بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ... وحفظ الفروج يتضمن ثلاثة معان:

أولها: معنى الصيانة، فهو يصونها عن رجس الحرام، ورجس الحرام معنوي ومادي. أما المعنوي فهو ما في الحرام من خبث يطهر نفسه منه، وأما المادي فهو يكون في الزنى من تعرض لأمراض خبيثة،...

ثانيها: الاستمساك والتحفظ بالعفة، وألا يرمى ماءه في غير محله، وليحفظ له نسبه.

ثالثها: التقيد،أي ليسوا منطلقين يلقونها في أي مكان، وعلى أي امرأة، كل ينزو كما تنزو القردة، وكالحمار ينزو على كل أتان.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

الفروج: جمع فرج، والمقصود سوءتا كل من الرجل والمرأة، وقد أمر الله تعالى بحفظها على المهمة التي خلقت من أجلها، ومهمة هذه الأعضاء إما إخراج عادم الجسم من بول أو غائط، أو العملية الجنسية وهدفها حفظ النسل، وعلى الإنسان أن يحفظ فرجه على ما أحله الله له في قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

بما يعنيه ذلك من التزام بحدود الله الشرعية التي حددها لحركة الغريزة الجنسية ضمن نظام متوازن يكفل تحقيق الإشباع والارتواء الجسدي الذي يطلبه الإنسان من العلاقة الجنسية، وينظم تلك العلاقة في إطار يحفظ الأسرة، ويمنع الفوضى على مستوى الأنساب.. ولذلك حصر العلاقة الجنسية بالعلاقات الزوجية وملك اليمين،...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ورابع صفة من صفات المؤمنين هي الطهارة والعفّة بشكل تامّ، واجتناب أي معصية جنسية... إنّ عبارة المحافظة على «الفروج» قد تكون إشارة إلى أنّ فقدان المراقبة المستمرة في هذا المجال تؤدّي بالفرد إلى خطر التلوث بالانحرافات الكثيرة.