{ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ } أي بين لكم حال مستغربة أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مثلاً وتسير في الأمصار والأعصار ، وعبر عن بيان ذلك بلفظ الماضي لتحقق الوقوع ، ومعنى المثل في الأصل المثل ثم خص بما شبه بمورده من الكلام فصار حقيقة ثم استعير لما ذكر ، وقيل المثل على حقيقته و { ضُرِبَ } بمعنى جعل أي جعل لله سبحانه شبه في استحقاق العبادة وحكي ذلك عن الأخفش ، والكلام متصل بقوله تعالى : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } [ الحج : 71 ] { فاستمعوا لَهُ } أي للمثل نفسه استماع تدبر وتفكر أو لأجله ما أقول فقوله تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } إلى آخره بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم معبوداتهم الباطلة مثلاً لله تعالى شأنه في استحقاق العبادة على الثاني ، ومنهم من جعله على ما ذكرنا وعلى ما حكي عن الأخفش تفسيراً أما على الأول فللمثل نفسه بمعناه المجازي وأما على الثاني فلحال المثل بمعناه الحقيقي ، فإن المعنى جعل الكفار لله مثلاً فاستمعوا لحاله وما يقال فيه ، والحق الذي لا ينكره إلا مكابر أن تفسير الآية بما حكى فيه عدول عن المتبادر .
والظاهر أن الخطاب في { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } لجميع المكلفين لكن الخطاب في { تَدْعُونَ } للكفار . واستظهر بعضهم كون الخطاب في الموضعين للكفار والدليل على خصوص الأول الثاني ، وقيل هو في الأول للمؤمنين ناداهم سبحانه ليبين لهم خطأ الكافرين ، وقيل هو في الموضعين عام وأنه في الثاني كما في قولك : أنتم يا بني تميم قتلتم فلاناً وفيه بحث .
وقرأ الحسن . ويعقوب . وهارون . والخفاف . ومحبوب عن أبي عمرو { يَدَّعُونَ } بالياء التحتية مبنياً للفاعل كما في قراءة الجمهور . وقرأ اليماني . وموسى الأسواري { يَدَّعُونَ } بالياء من تحت أيضاً مبنياً للمفعول ، والراجع للموصول على القراءتين السابقتين محذوف { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } أي لا يقدرون على خلقه مع صغره وحقارته ، ويدل على أن المراد نفي القدرة السباق مع قوله تعالى : { وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } أي لخلقه فإن العرف قاض بأنه لا يقال : لن يحمل الزيدون كذا ولو اجتمعوا لحمله إلا إذا أريد نفي القدرة على الحمل ، وقيل جاء ذلك من النفي بلن فإنها مفيدة لنفي مؤكد فتدل على منافاة بين المنفى وهو الخلق والمنفى عنه وهو المعبودات الباطلة فتفيد عدم قدرتها عليه ، والظاهر أن هذا لا يستغنى عن معونة المقام أيضاً ، وأنت تعلم أن في إفادة لن النفي المؤكد خلافاً ؛ فذهب الزمخشري إلى إفادتها ذلك وأن تأكيد النفي هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل وقال في أنموذجه بإفادتها التأبيد .
وذهب الجمهور وقال أبو حيان : هو الصحيح إلى عدم إفادتها ذلك وهي عندهم أخت لا لنفي المستقبل عند الإطلاق بدون دلالة على تأكيد أو تأبيد وأنه إذا فهم فهو من خارج وبواسطة القرائن وقد يفهم كذلك مع كون النفي بلا فلو قيل هنا لا يخلقون ذباباً ولو اجتمعوا له لفهم ذلك ، ويقولون في كل ما يستدل به الزمخشري لمدعاه : إن الإفادة فيه من خارج ولا يسلمون أنها منها ولن يستطيع إثباته أبداً . والانتصار بأن سيفعل في قوة مطلقة عامة ولن يفعل نقيضه فيكون في قوة الدائمة المطلقة ولا يتأتى ذلك إلا بإفادة لن التأبيد ليس بشيء أصلاً كما لا يخفى ، وكأن الذي أوقع الزمخشري في الغفلة فقال ما قال اعتماداً على ما لا ينتهض دليلاً شدة التعصب لمذهبه الباطل واعتقاده العاطل نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخذلان ، والذباب اسم جنس ويجمع على أذبة وذبان بكسر الذال فيهما وحكى في البحر ضمها في ذبان أيضاً ، وهو مأخوذ من الذب أي الطرد والدفع أو من الذب بمعنى الاختلاف أي الذهاب والعود وهو أنسب بحال الذباب لما فيه من الاختلاف حتى قيل : إنه منحوت من ذب آب أي طرد فرجع ، وجواب { لَوْ } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على شرطية أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له وتعاونوا عليه لن يخلقوا وهما في موضع الحال كأنه قيل : لن يخلقوا ذباباً على كل حال .
وقال بعضهم : الواو للحال { وَلَّوْاْ اجتمعوا لَهُ } بجوابه حال ، وقال آخرون : إن { لَوْ } هنا لا تحتاج إلى جواب لأنها انسلخت عن معنى الشرطية وتمحضت للدلالة على الفرض والتقدير ، والمعنى لن يخلقوا ذباباً مفروضاً اجتماعهم { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً } بيان لعجزهم عن أمر آخر دون الخلق أي وإن يأخذ الذباب منها شيئا { لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي لا يقدروا على استنقاذه منه مع غاية ضعفه .
والظاهر أن استنقذ بمعنى نقذ ، وفي الآية من تجهيلهم في إشراكهم بالله تعالى القادر على جميع الممكنات المتفرد بإيجاد كافة الموجودات عجزة لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ولا على استنقاذ ما يختطفه منهم ما لا يخفى . والآية وإن كانت نازلة في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلونها بالزعفران ورؤسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ، وقيل : كانوا يضمخونها بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك إلا أن الحكم عام لسائر المعبودات الباطلة .
{ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } تذييل لما قبل اختبار أو تعجب والطالب عابد غير الله تعالى والمطلوب الآلهة كما روي عن السدى .
والضحاك ، وكون عابد ذلك طالباً لدعائه إياه واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته ، وكون الآخر مطلوباً ظاهراً كضعفه ، وقيل الطالب الذباب يطلب ما يسلبه عن الآلهة والمطلوب الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب .
وروي ابن مردويه . وابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واختاره الزمخشري أن الطالب الأصنام والمطلوب الذباب ، وفي هذا التذييل حينئذ ايهام التسوية وتحقيق أن الطالب أضعف لأنه قدم عليه أن هذا الخلق الأقل هو السالب وذلك طالب خاب عن طلبته ولما جعل السلب المسلوب لهم وأجراهم مجرى العقلاء أثبت لهم طلباً ولما بين أنهم أضعف من أذل الحيوانات نبه به على مكان التهكم بذلك . ومن الناس من اختار الأول لأنه أنسب بالسياق إذ هو لتجهيلهم وتحقير ءالهتهم فناسب إرادتهم وآلهتهم من هذا التذييل .
ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } [ الحج : 73 ] الخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم يقولون : إنهم وسائلنا إلى الله تعالى وإنما ننذر لله عز وجل ونجعل ثوابه للولي ، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين إن { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] ، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك ، والظاهر من حالهم الطلب ، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل : انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا ، ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء ، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم ، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا : ثبت ذلك بالكشف قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم ، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة ، وعلماؤهم يقولون : إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة ، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى وكذا لأهل النحل والدهرية ، نسأل الله تعالى العفو والعافية .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الناس} يعني: كفار مكة {ضرب مثل} يعني: شبها وهو الصنم {فاستمعوا له} ثم أخبر عنه، فقال سبحانه: {إن الذين تدعون من دون الله} من الأصنام يعنى اللات والعزى ومناة وهبل {لن} يستطيعوا أن {يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} يقول: لو اجتمعت الآلهة على أن يخلقوا ذبابا ما استطاعوا، ثم قال عز وجل: {وإن يسلبهم الذباب شيئا} مما على الآلهة من ثياب أو حلى أو طيب {لا يستنقذوه منه} يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما أخذ منها، ثم قال: {ضعف الطالب والمطلوب}، فأما الطالب فهو الصنم، وأما المطلوب فهو الذباب، فالطالب هو الصنم الذي يسلبه الذباب ولا يمتنع منه، والمطلوب هو الذباب، فأخبر الله عن الصنم أنه لا قوة له، ولا حيلة، فكيف تعبدون ما لا يخلق ذبابا، ولا يمتنع من الذباب؟
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جُعِل لله مثل وذكر. ومعنى «ضرب» في هذا الموضع: «جعل»... والمَثَل: الشبّهَ، يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشبّه والمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي وأشركوها في عبادتي.
"فاسْتَمِعُوا له" يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه في عبادتهم إياه شبها وصفته. "إنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابا" يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلّته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها...
وقوله: "وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذّبابُ شَيْئا" يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.
واختلف في معنى قوله: "ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطْلُوبُ"؛ فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب...
وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: ضَعُفَ الطّالِبُ من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمَطْلُوبُ إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته... من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه والمطلوب: الذباب.
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا عما هو عنه منقطع. وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السموات والأرض ومالكٌ جميع ذلك، والمحيي من أردت والمميت ما أردت ومن أردت. إن فاعل ذلك لا شكّ أنه في غاية الجهل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} قد ذكرنا معنى ضرب الأمثال والحاجة إليها، وذلك أن العقول يجوز أن يعترضها ما يستر عليها سبيل الحق، ويحجب عنها إدراك الحق. فضرب الأمثال ليرفع عنها ذلك الحجاب والستر لتدرك العقول سبيل الحق، وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول ممن يدرك الحق، لكن يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب، فيستكشف ذلك بما ذكرنا من الأمثال.
ثم في هذا المثل وجهان: أحدهما: يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، وهو ما ذكر: {لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} وتركهم عبادة من هو خالقهم وخالق جميع الخلائق.
والثاني: يخبر عن قطع ما يأملون، ويطمعون من عبادتهم الأصنام حين قال: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه} ويتركون عبادة من يؤمل منه، ويطمع كل خير، والله أعلم.
وقوله تعالى: {فاستمعوا له} قال بعضهم: أجيبوا له. وقال بعضهم: استمعوا له استماع من ينظر، ويأمل الحق، ويقبله لا استماع من لا ينظر إلى الحق، ولا يقبله، والله أعلم.
وقوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله} وقال بعضهم: {تدعون} أي تعبدون {من دون الله}. وقال بعضهم: {إن الذين تدعون من دون الله} لا على الدعاء، أي تسمونهم آلهة من دون الله.
وقد كان منهم الأمران جميعا: العبادة للأصنام من دون الله، وتسميتهم آلهة من دون الله.
وقوله تعالى: {لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} فيه ما ذكرنا من تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق الله وعجزهم عما يأملون من النفع وعن دفع من يروم بهم الضرر والسلب ما ذكر منها.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم... {لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشئ دون المخلوق المنشأ، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته، وسُمِّي ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً...
فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته، فكيف يكونون آلهة معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
...وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية -التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها- صوراً وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقلّ ما خلقه [الله] وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا. وأدلّ من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا. وقوله: {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف. ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، لأن الذباب حيوان، وهو جماد، وهو غالب وذاك مغلوب.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وبدأ تعالى ينفي الخلق والاختراع عنهم من حيث هي صفة ثابتة له مختصة به، فكأنه قال ليس لهم صفتي ثم ثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز، وذكر تعالى أمر سلب الذباب لأنه كان كثيراً محسوساً عند العرب، وذلك أنهم كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك وكانوا متألمين من هذه الجهة فجعلت مثلاً،...
{ضعف الطالب والمطلوب}، فقالت فرقة أراد ب {الطالب} الأصنام وب {المطلوب} الذباب، أي أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة من الحيوان، وقالت فرقة معناه ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته، ويحتمل أن يريد {ضعف الطالب} وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام وضعف الأصنام في أن لا منفعة لهم وعلى كل قول، فدل ضعف الذباب الذي هو محسوس مجمع عليه وضعف الأصنام عن هذا المجمع على ضعفه على أن الأصنام في أحط رتبة وأخس منزلة.
أما قوله: {فاستمعوا له} أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر. واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين:
الأول: قوله: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له}... {ولن} أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيا مؤكدا، فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا. فقوله: {ولو اجتمعوا له} نصب على الحال، كأنه قال: يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرادهم.
والثاني: أن قوله: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئا، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب،...
فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
... والظاهر أن ضارب المثل هو الله تعالى، ضرب مثلاً لما يعبد من دونه أي بين شبهاً لكم ولمعبودكم.
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره. فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه. وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره. والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه. فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه. فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها. فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟ وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الآلهة -التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة لجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات- فأعطوها لصور وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق، وأذلها وأصغرها وأحقرها. ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل والعاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه. ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: {ضعف الطالب والمطلوب}... فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز، فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع،...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يعلن في الآفاق، على الناس جميعا، إعلانا مدويا عاما.. يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة؛ الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون الله. ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون، ويركن إليها أولئك الغاشمون. يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار، مصور في مشهد شاخص متحرك، تتملاه العيون والقلوب.. مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل:... (يا أيها الناس).. فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب، لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة: (ضرب مثل فاستمعوا له).. هذا المثل يضع قاعدة، ويقرر حقيقة. (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له).. كل من تدعون من دون الله من آلهة مدعاة. من أصنام وأوثان، ومن أشخاص وقيم وأوضاع، تستنصرون بها من دون الله، وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه.. كلهم (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له).. والذباب صغير حقير؛ ولكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون -ولو اجتمعوا وتساندوا- على خلق هذا الذباب الصغير الحقير! وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل. لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة. فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل.. ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير. وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب! ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري: (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه).. والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه، سواء كانت أصناما أو أوثانا أو أشخاصا! وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس فلا يملكون رده. وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير. وهوفي الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض ويسلب أغلى النفائس: يسلب العيون والجوارح، وقد يسلب الحياة والأرواح.. إنه يحمل ميكروب السل والتيفود والدوسنتاريا والرمد.. ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير! وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز.. ولو قال: وإن تسلبهم السباع شيئا لا يستنقذوه منها.. لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف. والسباع لا تسلب شيئا أعظم مما يسلبه الذباب! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب! ويختم ذلك المثل المصور الموحي بهذا التعقيب: (ضعف الطالب والمطلوب). ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال، وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فالمراد ب {الناس} هنا المشركون على ما هو المصطلح الغالب في القرآن. ويجوز أن يكون المراد ب {الناس} جميعَ الناس من مسلمين ومشركين...
وضرب المثل: ذِكرهُ وبيانُه؛ استعير الضرب للقول والذكر تشبيهاً بوضع الشيء بشدّة، أي ألقي إليكم مثَل. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {أن يضرب مثلاً ما}... {فاستمعوا له} لاسترعاء الأسماع إلى مُفاد هذا المثَل مما يبطل دعوى الشركة لله في الإلهية، أي استمعوا استماع تَدبّر...
فشُبهت الأصنام المتعددة المتفرقة في قبائل العرب وفي مكّة بالخصوص بعظماء، أي عند عابديها. وشبهت هيئتها في العجز بهيئة ناس تعذّر عليهم خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، بلْهَ المخلوقات العظيمة كالسماوات والأرض. وقد دلّ إسناد نفي الخلق إليهم على تشبيههم بذوي الإرادة لأنّ نفي الخلق يقتضي محاولة إيجاده،...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
الخطاب عام للناس وقالوا:إنه إذا كان النداء: {يا أيها الناس} كان يعم الناس عامة والمشركين خاصة، وإن موضوع القول، وهو عبادة الأوثان يجعل الخطاب للمشركين أمسّ وأقرب، و {ضرب} معناها: بُيّن، والمثل الحال والشأن، ففيه تقريب حال بحال، فحال ضعفهم الشديد صورها سبحانه بأنهم لعجزهم {لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} فحالهم حال عجز عن خلق أي حي، ولو اجتمعت الأوثان كلها، وكيف تُعبد، وهي لا تستطيع خلق الذباب، ولو اجتمعت له كل هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى،... وإن هذا التصوير السامي الذي سماه جل جلاله مثلا، هو برهان على عدم صلاحيتهم للألوهية، لأنها عاجزة محتاجة، والمعبود قادر غير عاجز...
، و {يستنقذوه}... أي لا يستطيعون بأكثر جهد وطلب أن ينقذوه منه، لأنها لا قوة لها في أي ناحية، فهي جماد لا يتحرك، ولكن الوهم هو الذي جعل لها قوة في نظرهم الذي يبصر، وسوّل لهم الشيطان عبادتها...
لم تستطع آلهتهم أن تستنقذ ما يسلبه الذباب، ولو بذلت أقصى الجهد إن كان لها جهد،...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
والآية متصلة على ما هو المتبادر بما سبقها اتصال تعقيب وتسفيه وتنديد وتحدّ وسخرية وهي قوية لاذعة في كل ذلك وفي صكّ أسماع المشركين بها، وفي الاستهانة بما ستحدثه فيهم من غيظ وثورة نفس ويتجلى خلالها ما تجلى خلال سابقاتها من عظمة موقف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته أيضا. وفحوى الآية يفيد أن المقصود من الشركاء هم الأصنام والأوثان وفي ذلك تتضاعف قوّة التحدّي والسخرية وإبراز الضعف والعجز...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وزاد كتاب الله إمعانا في توهين الشرك والمشركين، فضرب المثل بالذباب الذي هو أصغر وأضعف الأحياء، لكنه مع ذلك يحمل سر الحياة، ويحمل في كثير من الأحيان أخطر الأمراض وأعدى الجراثيم، وبين كتاب الله ان الأصنام والأوثان التي يخر لها المشركون سجدا لا تستطيع أن تدفع عنها حتى أذى الذباب، وهي أعجز ما تكون عن أن تنزع من الذباب ما سطا عليه وأخذه منها، فكيف تعبد من دون الله، وهي على ما عليه من الضعف والعجز أمام الذباب الصغير الضعيف، ونفس الأمر يرد بالنسبة للأصنام البشرية من الدعاة المضللين، الذين يسيطرون على عباد الله، فهؤلاء كلهم لو اجتمعوا منذ بدء الخليقة إلى الآن في صعيد واحد ليخلقوا ذبابا لما استطاعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا،... وإذا نقل الذباب إلى أحد من أتباعهم مثلا جرثومة السل أو جرثومة الرمد، سقط فريسة المرض والكمد،... وقال القاضي عبد الجبار:"حكي عن أبي الهذيل انه سئل: ما الفائدة في خلق الذباب، فأجاب قائلا: الفائدة في خلق الذباب هي إذلال الجبابرة"...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ويستمر القرآن في حثّ الإنسان على المقارنة بين عظمة القدرة في ذات الله، وبين ضعف وحقارة ما يدعونه من دونه من شركاء، لتتجلى أمام الإنسان تفاهة ما يعتقده، وانحرافه الروحي، واهتزاز خطواته، وليشاهد آلهته على حقيقتها، فهي ليست إلاّ مجرد مخلوقاتٍ ضعيفةٍ لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً، إلا في حدود ما وضعه الله فيها من قدرته.. وفي ذلك يتمثل ضعف تلك الآلهة المزعومة أمام أضعف مخلوقات الله تعالى...
{ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} بكل عمق الفكر في عقولكم، وبكل صفاء الوعي في وجدانكم، لأنه أمر يتصل بالمصير الإنساني وحركة العقيدة، لأن التفكير بالمثل المضروب هنا مسؤولية هامة يتحدد على أساسها الموقف من الحقائق التي يكشفها، فاللاّمبالاة في مثل هذه الأمور قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك الدائم على مستوى العقيدة وخط السير...
وأيّ صورةٍ أبلغ من تلك التي تضع الآلهة بكل ما توحيه صفة الألوهية من قوّةٍ في مشهدين، أحدهما: اجتماعها على خلق ذبابةٍ واحدةٍ وعجزها عن ذلك، بالرغم مما تبذله من جهد في هذا السبيل، وثانيهما: مشهد الذباب، في كل ما يجسّده هذا المخلوق الصغير من معاني الضعف والصغر والحقارة، من حيث الحجم والقدرة الجسمية، وقد اندفع إلى هؤلاء الآلهة الكبار، ليسلبهم شيئاً، أي شيء، فإذا بالآلهة يركضون خلفه، ويلهثون لاسترجاع ما أخذه ولاستنقاذ ما سلبهم إياه، فلا يسترجعونه منه، ولا يستنقذونه من براثنه... إنه أسلوب يجرّد هؤلاء من صفات الألوهية من جهةٍ، ويعرّضهم للسخرية والاستهزاء من جهةٍ أخرى، ويؤثر على موقف هؤلاء الذين اعتقدوا بهم وعبدوهم من دون الله، عندما يجدون أنفسهم في حالةٍ لا يحسدون عليها، لأنها لا ترتكز على أساسٍ، ولا توحي بالاحترام إن لم توحِ بخلافه...
إنه مثلٌ يريد الله للإنسان أن يدرك من خلاله سرّ الضعف في الإنسان المتألّه، أو المؤلَّه، ليعي بعمق المعرفة أن هؤلاء لا يملكون في ذاتهم أيّ شرطٍ من شروط الألوهية، بل يعيشون ضعف المخلوقين في وجودهم.. ولكن الناس لا يرتفعون إلى الآفاق الفكرية التي تمكّنهم من الإطلالة على عظمة الله من أوسع المجالات، بل ينكمشون في تصوّراتهم، ويبتعدون عن وعي الحقائق في عقولهم.