روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

{ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } أي دماً جامداً وذلك بإفاضة اعراض الدم عليها فتصيرها دماً بحسب الوصف ، وهذا من باب الحركة في الكيف { فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً } أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ لا استبانة ولا تمايز فيها ، وهذا التصيير على ما قيل بحسب الذات كتصيير الماء حجراً وبالعكس ، وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة أخرى عليها وهو من باب الكون والفساد ولا يخلو ذلك من الحركة في الكيفية الاستعدادية فإن استعداد الماء مثلاً للصورة الأولى الفاسدة يأخذ في الانتقاص واستعداده للصورة الثانية الكائنة يأخذ في الاشتداد ولا يزال الأول ينقص والثاني يشتد إلى أن تنتهي المادة إلى حيث تزول عنها الصورة الأولى فتحدث فيها الثانية دفعة فتتوارد هذه الاستعدادات التي هي من مقولة الكيف على موضوع واحد { فَخَلَقْنَا المضغة } غالبها ومعظمها أو كلها { عظاما } صغاراً وعظاماً حسبما تقتضيه الحكمة وذلك التصيير بالتصليب لما يراد جعله عظاماً من المضغة ؛ وهذا أيضاً تصيير بحسب الوف فيكون من الباب الأول .

وفي كلام العلامة البيضاوي إشارة ما إلى مجموع ما ذكرنا وهو يستلزم القول بأن النطفة والعلقة متحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بالأعراض كالحمرة والبياض مثلاً وكذا المضغة والعظام متحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بنحو الرخاوة والصلابة وأن العلقة والمضغة مختلفان في الحقيقة كما أنهما مختلفان بالإعراض .

والظاهر أنه تتعاقب في جميع هذه الأطوار على مادة واحدة صور حسب تعاقب الاستعدادات إلى أن تنتهي إلى الصورة الإنسانية ، ونحن نقول به إلى أن يقوم الدليل على خلافه فتدبر { فَكَسَوْنَا العظام } المعهودة { لَحْماً } أي جعلناه ساتراً لكل منها كاللباس ، وذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها عظاماً بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها ، ويحتمل أن يكون لحماً آخر خلقه الله تعالى على العظام من دم في الرحم .

وجمع { العظام } دون غيرها مما في الأطوار لأنها متغايرة هيئة وصلابة بخلاف غيرها ألا ترى عظم الساق وعظم الأصابع وأطراف الأضلاع ، وعدة العظام مطلقاً على ما قيل مائتان وثمانية وأربعون عظماً وهي عدة رحم بالجمل الكبير ، وجعل بعضهم هذه عدة أجزاء الإنسان والله تعالى أعلم .

وقرأ ابن عامر . وأبو بكر عن عاصم . وأبان . والمفضل . والحسن . وقتادة . وهرون والجعفي . ويونس عن أبي عمرو ، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بإفراد { العظام } في الموضعين اكتفاء باسم الجنس الصادق على القليل والكثير مع عدم اللبس كما في قوله

: كلوا في بعض بطنكم تعفوا *** واختصاص مثل ذلك بالضرورة على ما نقل عن سيبويه لا يخلو عن نظر ، وفي الإفراد هنا مشاكلة لما ذكر قبل في الأطوار كما ذكره ابن جني .

وقرأ السلمي . وقتادة أيضاً . والأعرج . والأعمش . ومجاهد . وابن محيصن بإفراد الأول وجمع الثاني .

وقرأ أبو رجاء . وإبراهيم بن أبي بكر . ومجاهد أيضاً بجمع الأول وإفراد الثاني { ثُمَّ أنشأناه خَلْقاً ءاخَرَ } مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعل حيواناً ناطقاً سميعاً بصيراً وأودع كل عضو منه وكل جزء عجائب وغرائب لا تدرك بوصف ولا تبلغ بشرح ، ومن هنا قيل

: وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

/ وقيل الخلق الآخر الروح والمراد بها النفس الناطقة . والمعنى أنشأنا له أو فيه خلقاً آخر ، والمتبادر من إنشاء الروح خلقها وظاهر العطف بثم يقتضي حدوثها بعد حدوث البدن وهو قول أكثر الإسلاميين وإليه ذهب أرسطو ، وقيل إنشاؤها نفخها في البدن وهو عند بعض عبارة عن جعلها متعلقة به ، وعند أكثر المسلمين جعلها سارية فيه ، وإذا أريد بالروح الروح الحيوانية فلا كلام في حدوثها بعد البدن وسريانها فيه ، وقيل : الخلق الآخر القوي الحساسة ، وقال الضحاك ويكاد يضحك منه فيما أخرجه عنه عبد بن حميد : الخلق الآخر الأسنان والشعر فقيل له : أليس يولد وعلى رأسه الشعر ؟ فقال : فأين العانة والإبط ، وما أشرنا إليه من كون { ثُمَّ } للترتيب الزماني هو ما يقتضيه أكثر استعمالاتها ، ويجوز أن تكون للترتيب الرتبي فإن الخلق الثاني أعظم من الأول ورتبته أعلى . وجاءت المعطوفات الأول بعضها بثم وبضعها بالفاء ولم يجيء جميعها بثم أو بالفاء مع صحة ذلك في مثلها للإشارة إلى تفاوت الاستحالات فالمعطوف بثم مستبعد حصوله مما قبله فجعل الاستبعاد عقلاً أ رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جداً وكذا جعل النطفة البيضاء السيالة دماً أحمر جامداً بخلاف جعل الدم لحماً مشابهاً له في اللون والصورة وكذا تصليب المضغة حتى تصير عظماً وكذا مد لحمها عليه ليستره كذا قيل ولا يخلو عن قيل وقال .

واستدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى : { ثُمَّ أنشأناه } الخ على أن من غصب بيضة فأفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر ، قال في «الكشف » : وفي هذا الاستدلال نظر على أصل مخالفيه لأن مباينته للأول لا تخرجه عن ملكه عندهم ، وقال «صاحب التقريب » : إن تضمينه للفرخ لكونه جزاءاً من المغصوب لا لكونه عينه أو مسمى باسمه ، وفي هذا بحث وفي المسألة خلاف كثير وكلام طويل يطلب من كتب الفروع المبسوطة .

وقال الإمام : قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام : إن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه تعالى بين فيها أن الإنسان مركب من هذه الأشياء ، وعلى بطلان قول الفلاسفة : إن الإنسان لا ينقسم وإنه ليس بجسم وكأنهم أرادوا أن الإنسان هو النفس الناطقة والروح الأمرية المجردة فإنها التي ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجه وليست داخل البدن والخارجة { فَتَبَارَكَ الله } فتعالى وتقدس شأنه سبحانه في علمه الشامل وقدرته الباهرة ، و { تبارك } فعل ماض لا يتصرف والأكثر إسناده إلى غير مؤنث ، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة والإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية وللإيذان بأن حق كل من سمع ما فصل من آثار قدرته عز وجل أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم به إجلالاً وإعظاماً لشؤونه جل وعلا { أَحْسَنُ الخالقين } نعت للاسم الجليل ، وإضافة أفعل التفضيل محضة فتفيده تعريفاً إذا أضيف إلى معرفة على الأصح .

وقال أبو البقاء : لا يجوز أن يكون نعتاً لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض عن من وهكذا جميع باب أفعل منك وجعله بدلاً وهو يقل في المشتقات أو خبر مبتدأ مقدر أي هو أحسن الخالقين والأصل عدم التقدير ، وتميز أفعل محذوف لدلالة الخالقين عليه أي أحسن الخالقين خلقاً فالحسن للخلق قيل : نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى جميل يحب الجمال » أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً فاستتر ، والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى : { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } [ المائدة : 110 ] وقول زهير

: ولأنت تفري ما خلقت *** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية ، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير . والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجود لها استقلالاً فالخالق الموجد متعدد عندهم ، وقد تكفلت الكتب الكلامية بردهم .

ومن حسن خلقه تعالى اتقانه وأحكامه ، ويجوز أن يراد بالحسن مقابل القبح وكل شيء منه عز شأنه حسن لا يتصف بالقبح أصلاً من حيث أنه منه فلا دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى .

روى أن عبد الله بن سعيد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأملى عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } [ المؤمنون : 12 ] حتى إذا بلغ عليه الصلاة والسلام { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } نطق عبد الله بقوله تعالى : { فَتَبَارَكَ الله } الخ قبل إملائه فقال له عليه الصلاة والسلام : هكذا نزلت فقال عبد الله : إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فارتد ولحق بمكة كافراً ثم أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام وحسن إسلامه ، وقيل : ما كافراً . وطعن بعضهم في صحة هذه الرواية بأن السورة مكية وارتداده بالمدينة كما تقتضيه الرواية .

وأجيب بأنه يمكن الجمع بأن تكون الآية نازلة بمكة واستكتبها صلى الله عليه وسلم إياه بالمدينة فكان ما كان أو يلتزم كون الآية مدنية لهذا الخبر ، وقوله : إن السورة مكية باعتبار الأكثر وعلى هذا يكون اقتصار الجلال السيوطي على استثناء قوله تعالى : { حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } إلى قوله سبحانه : { مُّبْلِسُونَ } [ المؤمنون : 64-77 ] قصوراً فتذكر . وتروى هذه الموافقة عن معاذ بن جبل . أخرج ابن راهويه . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني في «الأوسط » . وابن مردويه عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : «أملى على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله تعالى : { خَلْقاً ءاخَرَ } فقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ : مم ضحكت يا رسول الله ؟ قال : بها ختمت » ورويت أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه ، أخرج الطبراني . وأبو نعيم في فضائل الصحابة . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما نزلت { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } إلى آخر الآية قال عمر رضي الله تعالى عنه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } فنزلت كما قال . وأخرج ابن عساكر . وجماعة عن أنس أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يفتخر بذلك ويذكر أنها إحدى موافقاته الأربع لربه عز وجل ، ثم إن ذلك من حسن نظم القرآن الكريم حيث تدل صدور كثير من آياته على إعجازها ، وقد مدحت بعض الأشعار بذلك فقيل

: قصائد إن تكن تتلى على ملاء *** صدورها علمت منها قوافيها

لا يقال : فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن الكريم وذلك قادح في إعجازه لما أن الخارج عن قدرة البشر على الصحيح ما كان مقدار أقصر سورة منه على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوط بما قبلها كما تعرب عنه الفاء فإنها اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله .

ومن باب الإشارة :وفي قوله سبحانه : { ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] إشارة إلى نفخ تلك الروح المخلوقة من ذلك النور وهي الحقيقة الآدمية المرادة في قوله صلى الله عليه وسلم ( خَلَقَ الله تَعَالَى ءادَمَ على صورته ) أي على صفته سبحانه من كونه حياً عالماً مريداً قادراً إلى غير ذلك من الصفات .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ثم خلقنا النطفة علقة}... تحول الماء فصار دما {فخلقنا العلقة مضغة} يعني: فتحول الدم فصار لحما مثل المضغة، {فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه}..: خلقناه، {خلقا آخر} يعني: الروح ينفخ فيه بعد خلقه...

{فتبارك الله أحسن الخالقين}...: هو أحسن المصورين، يعني: من الذين خلقوا التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"ثُمّ خَلَقْنا النطْفَةَ عَلَقَةً" يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم.

"فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً "يقول: فَجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم. وقوله: "فخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظاما" يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما...

وقوله: "فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْما" يقول: فألبسنا العظام لحما...

وقوله: "ثُمّ أنْشأْناهُ خَلْقا آخَرَ" يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: أنْشَأْناهُ عائدة على «الإنسان» في قوله: "وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ" قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ثُمّ أنْشَأْناهُ خَلْقا آخَرَ"؛

فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه، فيصير حينئذٍ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة...

وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر: تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا...

وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقا آخر: سوّى شبابه...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحوّل خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم، وبنفخ الروح فيه يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.

وقوله: "فَتَبارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ"... معناه: فتبارك الله أحسن الصانعين...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

يخبر أنه قادر بذاته، فمن قدر على هذا يقدر على إنشائهم من الأصل من لاشيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا ترابا. والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه إياهم من التراب من الوجه الذي ذكرنا...

فيه دلالة تدبيره لخروج الخلق جميعا وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ينتهون على جري واحد وسنن واحد على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي جعل فيهم. وكذلك جميع ما يخرج من الأرض النبات ومن الأشجار الأوراق في كل عام وفي كل سنة، يخرج على جرية واحدة وسنن واحد، لا يتغير، ولا يتفاوت وقت خروجه. بل على تقدير واحد وميزان واحد. دل أنه على تدبير ذات خرج، لا على الجزاف. وبالله الحول والقوة...

في ما ذكر من تحويله إياهم وتقليبهم من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشأه لهم، وأنشأ أنفسهم لعاقبة، لأنه لو كان أنشأ إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} (المؤمنون: 15) لكان يتركهم على حال واحدة، ولا يحولهم من حال إلى حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم خاصة بقوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} ولكن لعاقبة تُقصد، وهي البقاء الدائم الذي لا فناء فيه، وهو ما ذكر: {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} (المؤمنون: 16).

... {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} أي استحق التعظيم والثناء بأنّه لم يزل ولا يزال وأصله من البروك وهو الثبوت. {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أي المصوّرين والمقدّرين...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{خَلْقاً ءاخَرَ} أي خلقاً مبايناً للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصمّ، وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

اختلف الناس في «الخلق الآخر»، فقال ابن عباس والشعبي وأَبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه، وقال ابن عباس أيضاً: خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره، وقال مجاهد: كمال شبابه وقال ابن عباس أيضاً: تصرفه في أمور الدنيا.

وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه من النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها {آخر}، وأول رتبة من كونه {آخر} هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه {آخر} تحصيله المعقولات، و «تبارك» مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المرتبة الثالثة: {ثم خلقنا النطفة علقة} أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد.

المرتبة الرابعة: {فخلقنا العلقة مضغة} أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف، وسمى التحويل خلقا لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضا غيرها فسمى خلق الأعراض خلقا لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة.

المرتبة الخامسة: {فخلقنا المضغة عظاما} أي صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظما والمراد منه الجمع كقوله: {والملك صفا صفا}.

المرتبة السادسة: {فكسونا العظام لحما} وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها.

المرتبة السابعة: قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي خلقا مباينا للخلق الأول...

{فتبارك الله} أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى، وقيل أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال والبقاء والدوام والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{فَتَبَارَكَ الله} فتعالى شأنُه في علمه الشَّاملِ وقُدرتهِ الباهرة. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربيةِ المهابة وإدخالِ الرَّوعة والإشعارِ بأنَّ ما ذُكر من الأفاعيلِ العجيبة من أحكام الأُلوهيَّةِ وللإيذانِ بأنَّ حقَّ كلِّ مَن سمع ما فُصِّل من آثار قُدرتهِ عزَّ وعلا أو لاحظَه أنْ يُسارعَ إلى التَّكلُّمِ به إجلالاً وإعظاماً لشؤونهِ تعالى.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهنا يقف الإنسان مدهوشا أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرا بعد تقدم علم الأجنة التشريحي. ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم. وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي تتكون أولا في الجنين. ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين. وهي الحقيقة التي يسجلها النص القرآني: (فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما).. فسبحان العليم الخبير!.

(ثم أنشأناه خلقا آخر).. هذا هو الإنسان ذو الخصائص المتميزة. فجنين الإنسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية. ولكن جنين الإنسان ينشأ خلقا آخر، ويتحول إلى تلك الخليقة المتميزة، المستعدة للارتقاء. ويبقى جنين الحيوان في مرتبة الحيوان، مجردا من خصائص الارتقاء والكمال، التي يمتاز بها جنين الإنسان. إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد...

إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني؛ ثم يبقى الحيوان حيوانا في مكانه لا يتعداه. ويتحول الإنسان خلقا آخر قابلا لما هو مهيأ له من الكمال. بواسطة خصائص مميزة، وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلى من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان.. (فتبارك الله أحسن الخالقين).. وليس هناك من يخلق سوى الله. فأحسن هنا ليست للتفضيل، إنما هي للحسن المطلق في خلق الله.

(فتبارك الله أحسن الخالقين).. الذي أودع فطرة الإنسان تلك القدرة على السير في هذه الأطوار، وفق السنة التي لا تتبدل ولا تنحرف ولا تتخلف، حتى تبلغ بالإنسان ما هو مقدر له من مراتب الكمال الإنساني، على أدق ما يكون النظام!

وإن الناس ليقفون دهشين أمام ما يسمونه "معجزات العلم "حين يصنع الإنسان جهازا يتبع طريقا خاصا في تحركه، دون تدخل مباشر من الإنسان.. فأين هذا من سير الجنين في مراحله تلك وأطواره وتحولاته، وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها، وتحولات كاملة في ماهيتها؟ غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون، مغلقي القلوب، لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب.. وإن مجرد التفكر في أن الإنسان -هذا الكائن المعقد- كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة التي لا تراها العين المجردة؛ وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عندما ينشأ خلقا آخر. فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة أخرى. وإذا كل طفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة. هذه الوراثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة الصغيرة.. إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكاف وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ثمّ تشير الآية الثّالثة إلى المراحل المدهشة والمثيرة لتدرّج النطفة في مراحلها المختلفة، واتّخاذها شكلا معيّناً في كلّ منها في ذلك القرار المكين، حيث تقول: إنّنا جعلنا من تلك النطفة على شكل قطعة دم متخثّر (علقة) ثمّ بدّلناها على شكل قطعة لحم ممضوغ (مضغة)، ثمّ جعلنا من هذه المضغة عظاماً، وأخيراً ألبسنا هذه العظام لحماً: (ثمّ خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً). هذه المراحل الأربعة المختلفة مضافاً إلى مرحلة النطفة تشكّل خمس مراحل، كلّ منها عالم عجيب بذاته مليء بالعجائب بحثت بدقّة في علم الجنين، وأُلّفت بصددها كتب وبحوث عميقة في عصرنا، إلاّ أنّ القرآن تكلّم عن هذه المراحل المختلفة لجنين الإنسان، وبيّن عجائبه يوم لم يولد هذا العلم ولا يكن له أثر. وفي الختام أشارت الآية إلى آخر مرحلة والتي تعتبر في الحقيقة أهمّ مرحلة في خلق البشر، بعبارة عميقة وذات معنى كبير (ثمّ أنشأناه خلقاً آخر) و (فتبارك الله أحسن الخالقين). مرحباً بهذه القدرة الفريدة، التي خلقت في ظلمات الرحم هذه الصورة البديعة، وصاغت من قطرة ماء كلّ هذه الاُمور المدهشة...

أمّا عبارة (أحسن الخالقين) فتثير هذا التساؤل: هل يوجد خالق غير الله؟! وضع بعض المفسّرين تبريرات لهذه الآية في وقت لا حاجة فيه لهذه التبريرات، لأنّ كلمة «الخلق» بمعنى التقدير والصنع، ويصحّ ذلك بالنسبة لغير الله، إلاّ أنّ هناك اختلافا جوهرياً بين الخلقين... يخلق الله المواد وصورها، بينما يصنع الإنسان أشياءه ممّا خلق الله، فهو يغيّر صورها. كمن يبني داراً حيث يستخدم مواداً أوّلية كالجصّ والآجر، أو يصنع من الحديد سيارة أو ماكنة. ومن جهة أُخرى لا حدود لخلق الله (الله خالق كلّ شيء) سورة الرعد الآية (16) في وقت نجد ما صنعه الإنسان محدوداً جدّاً، وفي كثير من الأحيان يجد الإنسان فيما خلقه هو نقصاً يجب سدّه فيما بعد، إلاّ أنّ الله يبدع الخلق دون أي نقص أو عيب. ثمّ إنّ قدرة الإنسان على صنع الأشياء جاءت بإذن من الله، حيث كلّ شيء في العالم يتحرّك بإذن الله، حتّى الورق على الشجر، كما نقرأ في سورة المائدة الآية (110) عن المسيح (عليه السلام) (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني)...