روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (99)

{ وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون } الظاهر بناء على ما تقدم من أن الاختصام مع الأصنام والشياطين أن يكون المراد بالمجرمين الشياطين ليكون ذلك من الاختصام معهم وإن لم يورد على وجه الخطاب كما أن ما تقدم من الاختصام مع الأصنام ، وكون المراد بهم ذلك مروي عن مقاتل ، وفي «إرشاد العقل السليم » أنه بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره عنهم ، والمراد بالمجرمين رؤساؤهم وكبراؤهم ، وفي قوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] . وعن السدي هم الأولون الذين اقتدوا بهم ، وقيل : من دعاهم إلى عبادة اوصنام من الجن والإنس . وعن ابن جريح أنهم إبليس وابن آدم القاتل لأنه أول من سن القتل والمعاصي ، والقصر قيل بالنسبة إلى الأصنام ، ولعلهم أرادوا بنفي الإضلال عنها إهانتها بأنها لا قدرة لها ؛ وفيه تأكيد لكونهم في ضلال مبين ، ولعل الأولى كونه قصراً حقيقياً بإدعاء أنهم الأحديون في سببية الإضلال حتى أن سببية غيرهم له كلا سببية ، وهذا واضح في الشياطين لأن إضلال غيرهم من الكبراء ونحوهم بواسطة إضلالهم لأنهم الذين يزينون الباطل للمتبوع والتابع ، ويمكن أن يعتبر في غيرهم بضرب من التأويل وذلك إذا أريد بالمجرمين غيرهم ، ثم إن المشركين لا يزالون في حيرة يوم القيامة لا يدرون بم يتشبثون فلا يضر إسنادهم الإضلال تارة إلى شيء وأخرى إلى غيره على أن الإسناد إلى كل باعتبار هذا .

وجوز أن يكون الاختصام بين العبدة بعضهم مع بعض ، والخطاب في { نُسَوّيكُمْ } [ الشعراء : 98 ] للأصنام من غير التزام القول بجعلهم أهلاً له بل هو كخطاب المضطر للحجر والشجر ، وفيه مبالغة في التحسر والندامة ، والمعنى أن العبدة مع تخاصم بعضهم مع بعض بأن يقول أحدهم للآخر : أنت مبدأ ضلالي ولولا أنت لكنت مؤمناً اعترفوا بجرمهم وتعجبوا وبينوا سببه ، وجوز أيضاً أن يكون من الأصنام ينطقهم الله تعالى فيخاصمون العبدة فضمير { هُمْ } عائد عليهم ، والمعنى قال العبدة معترفين بضلالهم متعجبين منه مبينين سببه : { إن كنا } [ الشعراء : 97 ] الخ والحال إن الأصنام يخاصمونهم قائلين : نحن جمادات متبرئون عن جميع المعاصي وأنتم اتخذتمونا آلهة فالقيتمونا في هذه الورطة . وهذا كله على تقدير كون جملة { قَالُواْ } [ الشعراء : 96 ] مستأنفة كما هو الظاهر . وجوز أن يكون { جُنُودُ إِبْلِيسَ } [ الشعراء : 95 ] مبتدأ وجملة { قَالُواْ } الخ خبره وضمير { قَالُواْ } وكذا ما بعده عائد عليه .

وأنت تعلم أنه مع كونه خلاف الظاهر لا يتسنى على تقدير أن يراد بجنود إبليس الياطين لما أن المقول المذكور لا يصح أن يكون منهم وإذا أريد بهم متبعوه من عصاة الثقلين عبدة الأصنام وغيرهم يرد أن المقول المذكور قول فرقة منهم وهي العبدة فإسناده إلى الجميع خلاف الظاهر ؛ ويبعد كل البعد بل لو قيل بفساده لم يبعد احتمال كون كل شخص سواء كان من عبدة الأصنام أو غيره يخاصم مع كل من يصادفه من غير صلاحية الآخر للاختصام ويقول ما ذكر للأصنام لغاية الحيرة والضجرة ، نعم لو أريد بجنود إبليس على تقدير كونه مبتدأ ورجوع الضمائر إليه الغاوون بعينهم وتكون الإضافة للعهد ، والتعبير عنهم بهذا العنوان بعد التعبير عنهم بالعنوان السابق لتذليلهم لم يبعد جداً .

ومن الناس من جوز الابتدائية والخبرية المذكورتين وفسر الجنود بالعصاة مطلقاً . وجعل ضمير { قَالُواْ } للغاوون وضمير { هُمْ - و- يختصمون } [ الشعراء : 96 ] للجنود أو للأصنام وفيه مع خروج الآية عليه عن حسن الانتظام ما لا يخفى على ذوي الأفهام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (99)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الغاوين في الجحيم:"وَما أضَلّنا إلاّ المُجْرَمُونَ"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

أي وما أضلنا إلا أولنا. وكذلك في حرف ابن مسعود: وما أضلنا إلا الأولون. وتأويل هذا أنهم لما رأوا الأولين، تركوا على ما كانوا عليه من الكفر والشرك، ولم يعذبوا في الدنيا، ولا أصابتهم نقمة، ظنوا أنهم أمروا بذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 28].

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم، كقوله: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67].

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ثم عطفوا يردون الملامة على غيرهم أي ما أضلنا إلا كبراؤنا وأهل الجرم والجرأة والمكانة.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وما أضلنا} أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين {إلا المجرمون} أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَمَا أَضَلَّنَا} عن طريق الهدى والرشد ودعانا إلى طريق الغي [ص 594] والفسق {إِلا الْمُجْرِمُونَ} وهم الأئمة الذين يدعون إلى النار.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قولهم: {وما أضلنا إلا المجرمون} خطاب بعض العامة لبعض. وعنَوا بالمجرمين أيمة الكفر الذين ابتدعوا لهم الشرك واختلقوا لهم ديناً.

والمناسب أن يكون التعريف في {المجرمون} مستعملاً في كَمال الإجرام فإن من معاني اللام أن تدل على معنى الكمال.

ورتبوا بالفاء انتفاء الشافعين على جملة: {وما أضلنا إلا المجرمون} حيث أطمعوهم بشفاعة الأصنام لهم عند الله مثل المشركين من العرب {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] فتبيّن لهم أن لا شفاعة لها، وهذا الخبر مستعمل في التحسر والتوجع.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ} الذين عاشت الجريمة في كيانهم فكراً وحياة وسلوكاً وضلالاً وإضلالاً، فلم يكن لهم إيمان يمنعهم من السير في خطوات الكفر، ولم تكن لهم تقوى تجنّبهم التحرك في ساحات المعصية، ولم يكن لهم انفتاحٌ روحيٌّ على الله ليبعدهم ذلك عن أجواء الشيطان.. وهكذا كانوا يستفيدون من غفلة الناس عن الإيمان والتقوى والروحانية، ليضلوهم عن سبيل الله، وليذهبوا بهم بعيداً عن مواقع رضاه.