روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ} (8)

{ إِنَّ في ذَلِكَ } أي الانبات أو المنبت { لآيَةً } عظيمة دالة على ما يجب عليهم الإيمان به من شؤونه عز وجل ، وما ألطف ما قيل في صف النرجس :

تأمل في رياض الورد وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات *** على أهدابها ذهب سبيك

على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك

{ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } قيل : أي وما كان في علم الله تعالى ذلك . واعترض بناء على أنه يفهم من السياقة العلية بأن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس . ورد بأن معنى كونه علمه تعالى تابعاً للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية وأما وجود الماهية فيما لا يزال فتابع لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له ، ونقل عن سيبويه إن { كَانَ } صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين فالمراد الأخبار عن حالهم في الواقع لا في علم الله تعالى الأزلي وارتضاه شيخ الإسلام ، وقال : هو الأنسب بمقام بيان عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاقد موجبات الإيمان من جهته عز وجل وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى فربما يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر ويحتاج حينئذ إلى تحقيق عدم العذر بما يخفى على العلماء المتقنين ، والمعنى على الزيادة وما أكثرهم مؤمنين مع عظم الآية الموجبة للإيمان لغاية تماديهم في الكفر والضلالة وانهماكهم في الغي والجهالة ، ويجوز على قياس ما مر عن بعض الأجلة في قوله تعالى : { ألا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 3 ] أن يقال : إن { كَانَ } للاستمرار واعتبر بعد النفي فالمراد استمرار نفي إيمان أكثرهم مع عظم الآية الموجبة لإيمانهم ، وفيه من تقبيح حالهم ما فيه .

وهذا المعنى وإن تأتي على تقدير إسقاط { كَانَ } بأن يعتبر الاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية بعد النفي أيضاً إلا أنه فرق بين الاستمرارين بعد اعتبار كان قوة وضعفاً فتدبر ، ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من لم يكن كذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ} (8)

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } على إحياء الله الموتى بعد موتهم ، كما أحيا الأرض بعد موتها { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } كما قال تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ} (8)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن في ذلك لآية} يقول: إن في النبت لعبرة في توحيد الله عز وجل، أنه واحد {وما كان أكثرهم} يعني: أهل مكة {مؤمنين}، يعني: مصدقين بالتوحيد.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إن في إنباتنا في الأرض من كلّ زوج كريم "لآية"، يقول: لدلالة لهؤلاء المشركين المكذّبين بالبعث، على حقيقته، وأن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض ذلك النبات بعد جُدُوبها، لن يُعجزه أن يُنْشِر بها الأموات بعد مماتهم، أحياء من قبورهم.

وقوله: "وَما كانَ أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ "يقول: وما كان أكثر هؤلاء المكذّبين بالبعث، الجاحدين نبوّتك يا محمد، بمصدقيك على ما تأتيهم به من عند الله من الذكر، يقول جلّ ثناؤه: وقد سبق في عملي أنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إن في ذلك لآية} لوحدانية الله وألوهيته، وآية لسلطانه وقدرته، وآية لعلمه وتدبيره، لأن من قدر على إحياء النبات من الأرض بعد ما يبس، وجف، قادر على إحياء الموتى وبعثهم. ودل إخراج النبات من الأرض في كل عام على حد واحد وعلى قدر وميزان واحد، على أنه إنما خرج ذلك عن تدبير مدبر عليم؛ له تدبير ذاتي وعلم ذاتي وقدرة ذاتية، ليست بمستفادة. فدل ذلك كله أنه فعل واحد قادر ومدبر عالم، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. والله الموفق.

وقوله تعالى: {وما كان أكثرهم مؤمنين} يحتمل قوله: {وما كان أكثرهم} أكثر الذين بعث إليهم محمد {مؤمنين} وهم الذين كانوا وقت مبعثه. وجائز أن يكون {وما كان أكثرهم}: وما يكون أكثرهم مؤمنين.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله: {إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين} فهو كقوله: {هدى للمتقين} والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان ذلك باهراً للعقل منبهاً له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه، وبديع اختياره، وصل به قوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الإنبات، وما تقدمه من العظات على كثرته {لآية} أي علامة عظيمة جداً لهم على تمام القدرة على البعث وغيره، كافية في الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن الطغيان، ولعله وحّدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوالّ عليه متساوية الأقدام في الدلالة، فالراسخون تغنيهم واحدة، وغيرهم لا يرجعون لشيء {و} الحال أنه {ما كان} في الشاكلة التي خلقتهم عليها {أكثرهم} أي البشر {مؤمنين} أي عريقين في الإيمان، لأنه {ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

التأكيد بحرف {إنَّ} لتنزيل المتحدّث عنهم منزلة من ينكر دلالة ذلك الإنبات وصفاته على ثبوت الوحدانية التي هي باعث تكذيبهم الرسول لما دعاهم إلى إثباتها، وإفراد (آية) لإرادة الجنس، أو لأن في المذكور عدةَ أشياء في كل واحد منها آية فيكون على التوزيع. جملة: {وما كان أكثرهم مؤمنين} عطف على جملة: {إن في ذلك لآية} إخباراً عنهم بأنهم مصرّون على الكفر بعد هذا الدليل الواضح، وضمير {أكثرهم} عائد إلى معلوم من المقام كما عاد الضمير الذي في قوله: {ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3]، وهم مشركو أهل مكة وهذا تحدَ لهم كقوله: {ولن تفعلوا} [البقرة: 24]. وأسنِد نفي الإيمان إلى أكثرهم لأن قليلاً منهم يؤمنون حينئذ أو بعد ذلك.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} لمن أراد أن يهتدي ويتعرف الحقيقة من مصادرها اليقينية، لأنها تشتمل على كل عناصر الإِقناع بحقائق العقيدة التي جاء بها الرسول، ولكن هؤلاء الذين يواجهون هذه الآية الواضحة لا يريدون أن يقرأوا فيها حقائق الإيمان، انطلاقاً من نوازعهم الذاتية المنحرفة المتمردة على الحقيقة في مواقع العقيدة {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} لأن الأكثرية تبقى في الغالب خاضعة للأجواء الانفعالية التي تجعلهم يتأثرون بالضوضاء التي يثيرها قادة الكفر والضلال الذين يتعاملون مع نقاط الضعف الشعورية والفكرية الكامنة في أعماق الجماهير، في عملية إثارة وتضليل. وتبقى الأقلية التي تعيش مسؤولية الحق والإيمان بكل هدوء الفكر وصفاء الوجدان ورهافة الشعور، لتلتقي به في العمق الهادئ المتّزن من الفكر، فترتبط به من قاعدة الجدّية في مواجهة نتائج المسؤولية في حسابها الدقيق أمام الله.