التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ} (22)

وجملة { لست عليهم بمصيطر } بدل اشتمال من جملة القصر باعتبار جانب النفي الذي يفيده القصر .

والمصيطر : المُجْبِر المُكْرِه .

يقال : صيطر بصاد في أوله ، ويقال : سيطر بسين في أوله والأشهر بالصاد . وتقدم في سورة الطور ( 37 ) : { أم هم المصيطرون } وقرأ بها الجمهور وقرأ هشام عن ابن عامر بالسين وقرأه حمزة بإشمام الصاد صوت الزاي .

ونفي كونه مصيطراً عليهم خبر مستعمل في غير الإِخبار لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يكلف بإكراههم على الإِيمان ، فالخبر بهذا النفي مستعمل كناية عن التطمين برفع التبعة عنه من جراء استمرار أكثرهم على الكفر ، فلا نسخ لحكم هذه الآية بآيات الأمر بقتالهم .

ثم جاء وجوب القتال بتسلسل حوادث كان المشركون هم البادئين فيها بالعدوان على المسلمين إذ أخرجوهم من ديارهم ، فشرع قتال المشركين لخضد شوكتهم وتأمين المسلمين من طغيانهم .

ومن الجهلة من يضع قوله : { لست عليهم بمصيطر } في غير موضعه ويحيد به عن مهيعه فيريد أن يتخذه حجة على حرية التدين بين جماعات المسلمين . وشتان بين أحوال أهل الشرك وأحوال جامعة المسلمين . فمن يلحد في الإسلام بعد الدخول فيه يستتاب ثلاثاً فإن لم يتب قتل ، وإن لم يُقدَر عليه فَعَلَى المسلمين أن ينبذوه من جامعتهم ويعاملوه معاملة المحارب . وكذلك من جاء بقول أو عمل يقتضي نبذ الإسلام أو إنكار ما هو من أصول الدين بالضرورة بعد أن يوقف على مآل قوله أو عمله فيلتزمه ولا يتأوله بتأويل مقبول ويأبى الانكفاف .

وتقديم { عليهم } على متعلقه وهو « مسيطر » للرعاية على الفاصلة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ} (22)

" لست عليهم بمصيطر " أي بمسلط عليهم فتقتلهم . ثم نسختها آية السيف . وقرأ هارون الأعور " بمسيطَر " ( بفتح الطاء ) ، و " المسيطَرون{[16016]} " [ الطور : 37 ] . وهي لغة تميم . وفي الصحاح : " المسيطر والمصيطر : المسلِّط على الشيء ، ليشرف عليه ، ويتعهد أحواله ، ويكتب عمله ، وأصله من السطر ، لأن{[16017]} من معنى السطر ألا يتجاوز ، فالكتاب مسطر ، والذي يفعله مسطر ومسيطر . يقال : سيطرت علينا ، وقال تعالى : " لست عليهم بمسيطر " . وسطره أي صرعه .


[16016]:آية 37 سورة الطور. وقد أورده صاحب اللسان وشرحه.
[16017]:كذا في نسخ الأصل وتفسير ابن عادل نقلا عن القرطبي. والذي في الصحاح: "وأصله من السطر، لأن الكتاب مسطر ....".