الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ} (206)

قوله : { أَفَرَأَيْتَ } : قد تقدَّمَ تحقيقُه . وقد تنازَعَ " أفرأيت " و " جاءهم " في قوله : " ما كانوا يُمَتَّعون " فإن أَعْمَلْتَ الثاني وهو " جاءهم " رَفَعْتَ به " ما كانوا " فاعلاً به ، ومفعولُ " أرأَيْتَ " الأولُ ضميرُه ، ولكنه حُذِفَ ، والمفعولُ الثاني هو الجملةُ الاستفهاميةُ في قوله : " ما أَغْنَى عنهم " . ولا بُدَّ مِنْ رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين المفعولِ الأولِ المحذوفِ ، وهو مقدَّرٌ ، تقديره : أفرأيْتَ ما كانوا يُوْعَدُون ما أَغْنَى عنهم تَمَتُّعُهم ، حين حَلَّ أي : الموعودُ به . ودَلَّ على ذلك قوةُ الكلامِ . وإنْ أَعْمَلَتْ الأولَ نصبْتَ به " ما كانوا يُوْعَدُون " وأَضْمَرْتَ في " جاءهم " ضميرَه فاعلاً به . والجملةُ الاستفهاميةُ مفعولٌ ثانٍ أيضاً . والعائدُ مقدرٌ على ما تقرَّرَ في الوجهِ قبلَه ، والشرطُ معترضٌ ، وجوابُه محذوفٌ . وهذا كلُّه مفهومٌ مما تقدَّم في سورةِ الأنعامِ ، وإنما ذكرْتُه هنا لأنه تقديرُ عَسِرٌ يحتاج إلى تأمُّلٍ وحسنِ صناعةٍ ، وهذا كلُّه إنَّما يتأتَّى على قولِنا : إنَّ " ما " استفهاميةٌ ، ولا يَضُرُّنا تفسيرُهم لها بالنفي ، فإن الاستفهامَ قد يَرِدُ بمعنى النفي . وأمَّا إذا جَعَلْتَها نافيةً حرفاً ، كما قال أبو البقاء ، فلا يتأتَّى ذلك ؛ لأنَّ مفعولَ " أرأيت " الثاني لا يكونُ إلاَّ جملةً استفهاميةً كما تقرَّر غيرَ مرة .