قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْملائِكَةَ تَسْمِيةَ الأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبعُُِونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } .
هذه التَّسْمِيةُ من عندهم ، وهم لا يتبعون فيها علماً أو تحقيقاً . . . بل ظَنًّا - والظنُّ لا يفيد شيئاً .
{ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } : أي إن الذين لا يؤمنون بالبعث والحياة الآخرة .
{ ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } : أي ليطلقون على الملائكة أسماء الإِناث إذ قالوا بنات الله .
لما ندد تعالى بالمشركين الذين جعلوا من الأصنام والأوهام والأماني آلهة وجادلوا دونها وجالدوا ذكر ما هو علة ذلك التخبط والضلال فقال : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } دار السعادة الحقة أو الشقاء { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } فلو آمنوا بالآخرة لما سموا الملائكة بنات الله لأن المؤمن بالآخرة يحاسب نفسه على كل قول وعمل له تبعة يخشى أن يؤخذ بها بخلاف الذي لا يؤمن بالآخرة فإنه يقول ويفعل ما يشاء لعدم شعوره بالمسئولية والتبعة التي قد يؤخذ بها فيهلك ويخشى كل شيء وهو تعليل سليم حكيم .
{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى ( 27 ) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) }
إن الذين لا يصدِّقون بالحياة الآخرة من كفار العرب ولا يعملون لها ليسمُّون الملائكة تسمية الإناث ؛ لاعتقادهم جهلا أن الملائكة إناث ، وأنهم بنات الله .
ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم . فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب . . . { لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى } أى : ليصفون الملائكة بوصف الإناث فيقولون : الملائكة بنات الله كما قال - تعالى - : { وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } ولفظ : " الملائكة " هنا فى معنى استغراق كل فرد ، أى : ليسمون كل واحد منهم ويصفونه بصفة الأنوثة .
قوله تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى 27 وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا 28 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا 29 ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } .
ذلك إنكار من الله شديد على المشركين السفهاء ، إذ تلبسوا بجريمتين شنيعتين كبريين ، الأولى : تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى . فهم بذلك يعتقدون أن الملائكة إناث وهم لم يشهدوا خلقهم فأنى لهم أن يفتروا مثل هذا الإفتراء .
والثانية : أنهم جعلوا الملائكة بنات الله . تعالى الله عن اتخاذ الولد علوا كبيرا . فقال سبحانه موبخا منكرا : { وما لهم به من علم } .