الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ} (89)

" فأنى تسحرون " أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده . أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع ! والسحر هو التخييل . وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع وقرأ أبو عمرو " سيقولون لله " في الموضعين الأخيرين ، وهي قراءة أهل العراق . الباقون " لله " ، ولا خلاف في الأول أنه " لله " ؛ لأنه جواب ل " قل لمن الأرض ومن فيها " فلما تقدمت اللام في " لمن " رجعت في الجواب . ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف . وأما من قرأ " سيقولون الله " فن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه ، وجاء في الأول " لله " لما كان السؤال باللام . وأما من قرأ " لله " باللام في الأخيرين وليس في السؤال لام ؛ فلأن معنى " من رب السموات السبع ورب العرش العظيم " : قل لمن السموات السبع ورب العرش العظيم . فكان الجواب " لله " ، حين قدرت اللام في السؤال . وعلة الثالثة كعلة الثانية . وقال الشاعر :

إذا قيل من ربّ المزالف والقرى *** وربُّ الجياد الجُرْد قلت لخالد{[11706]}

أي لمن المزالف[ والمزالف : البراغيل وهي البلاد التي بين الريف والبر : الواحدة مزلفة ]{[11707]} .

ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم . وقد تقدم في " البقرة " {[11708]} . ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة .


[11706]:الأجرد من الخيل والدواب: القصير الشعر.
[11707]:من ب.
[11708]:راجع ج 3 ص 286.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ} (89)

{ سيقولون لله } قرئ في الأول لله باللام بإجماع ، جوابا لقوله : { لمن الأرض } وكذلك قرأ الجمهور : الثاني والثالث ، وذلك على المعنى لأن قوله : { من رب السموات } في معنى لمن هي ، وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ .

{ ملكوت } مصدر وفي بنائه مبالغة .

{ يجير ولا يجار عليه } الإجارة المنع من الإهانة ، يقال : أجرت فلانا على فلان إذا منعته من مضرته وإهانته ، فالمعنى أن الله تعالى يغيث من شاء ممن شاء ولا يغيث أحد منه أحدا .

{ فأنى تسحرون } أي : تخدعون عن الحق والخادع لهم الشيطان ، وذلك تشبيه بالسحر في التخليط والوقوع في الباطل ، ورتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولا : { أفلا تذكرون } ، ثم قال ثانيا : { أفلا تتقون } ، وذلك أبلغ ، لأن فيه زيادة تخويف ، ثم قال ثالثا : { فأنى تسحرون } وفيه ما التوبيخ من ليس في غيره .