لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (50)

الناس - في المغفرة - على أقسام : فمنهم من يستر عليه زَلَّتَه ، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانةً له عن الملاحظة ، ومنهم من يستر حاله لئلا تُصيبَه مِنَ الشهرةِ فتنةٌ ، وفي معناه قالوا :

لا تُنْكِرَنْ جُحْدِي هَوَاكَ فإنما *** ذاك الجحودُ عليكَ سِتْرَ مُسْبَلُ

ومنهم مَنْ يستره بين أوليائه ، لذلك وَرَدَ في الكتب : " أوليائي في قبائي ، لا يشهد أوليائي غيري " .

{ والرزق الكريم } ما يكون من وجه الحلال . ويقال ما يكون من حيث لا يَحْتَسِب العبدُ .

ويقال هو الذي يبدو - من غير ارتقابٍ - على رِفْقٍ في وقت الحاجة إليه .

ويقال هو ما يَحْمِلُ المرزوقَ على صَرْفهِ في وَجْهِ القربة . ويقال ما فيه البركة .

ويقال الرزق الكريم الذي يُنال من غير تعب ، ولا يتقلد مِنَّةً مخلوق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (50)

وأما وجه ذكر المؤمنين وثوابهم في قوله تعالى : { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فالزيادة في إغاظة المشركين فهو بحسب المآل إنذار ، ويجوز أن يقال : إن قوله سبحانه : { فالذين ءامَنُواْ } الآية تفصيل لمن نجع فيه الإنذار من الناس المشركين ومن بقي منهم على كفره غير ناجه فيه ذلك كأنه قيل : أنذر يا محمد هؤلاء الكفرة المستعجلين بالعذاب وبالغ فيه فمن آمن ورجع عما هو عليه فله كذا ومن داوم على كفره واستمر على ما هو عليه فله كذا ، واختاره الطيبي وهو كما في الكشف حسن وعليه لا يكون التقسيم داخلاً في المقول بخلاف الوجه الأول .

وقال بعض المحققين : الناس عام للمؤمن والكافر والمنذر به قيام الساعة ، وإنما كان صلى الله عليه وسلم نذيراً مبيناً لأن بعثه عليه الصلاة والسلام من اشراطها فاجتمع فيه الإنذار قالا وحالا بقوله : { أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } [ الحج : 49 ] كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين «أنا النذير العريان » وقد دل على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار تفصيل حال الفريقين عند قيامها اه .

ولا مانع منه لولا ظاهر السياق ، وكون المؤمنين لا ينذرون لاسيما وفيهم الصالح والطالح مما لا وجه له ، ومن منع من العموم لذلك قال : التقدير عليه بشير ونذير ونقل هذا عن الكرماني ؛ ثم المغفرة تحتمل أن تكون لما ندر من الذين آمنوا من الذنوب وذلك لا ينافي وصفهم بعمل الصالحات ، وتحتمل أن تكون لما سلف منهم قبل الإيمان والرجوع عما كانوا عليه ، والمراد بالرزق الكريم هنا الجنة كما يشعر به وقوعه بعد المغفرة وكذلك في جميع القرآن على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ، ومعنى الكريم في صفات غير الآدميين الفائق .

ومن باب الإشارة : { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } أي ستر عن الأغيار من أن يقفوا على حقيقتهم كما يشير ما يروونه من الحديث القدسي «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم أحد غيري » { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الحج : 50 ] وهو العلم اللدني الذي به غداء الأرواح .

وقال بعضهم : رزق القلوب حلاوة العرفان ورزق الأسرار مشاهدة الجمال ورزق الأرواح مكاشفة الجلال وإلى هذا الرزق يشير عليه الصلاة والسلام بقوله : «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني »